الخميس، 17 نوفمبر 2016

اياد علاوي.. النائم الذي لا يدري



في بيت في الكرادة، ولد السياسي العراقي اياد علاوي عام 1944، من أصول حليّة
لعائلة نازحة انتقلت الى بغداد ببداية القرن العشرين.

ودائماً ما يُلمز جانب اياد علاوي بأن أصوله غير عربية، وأنّ عميد العائلة
جعفر علاوي كان قد تقدم بطلب خاص الى الملك فيصل الأول في الثلاثينيات لنيل
الجنسية العراقية، وبذلك انخرطت اسرته في النشاط السياسي والاجتماعي.

درس اياد علاوي الابتدائية في بغداد، ومن المفارقات أنه كان بذات الصف مع
السياسييْن العراقييْن، الراحل أحمد الجلبي، ووزير النفط السابق عادل عبد
المهدي، قبل أن يتم قبوله عام 1961 كلية الطب في بغداد.

بتلك اللحظة، كان علاوي جزءاً من حزب البعث، حتى إنه شارك ضمن الكوارث التي
قام بها الحرس القومي في السنين السود بين 1963 و1968، وعُرف بشراسته وسلاطة
لسانه، بل تعرض ذات مرة إلى كسر في الساق أثناء صدامه مع الشرطة التابعة
للدولة العراقية، وقد يذهب البعض الى ابعد من هذا ويتهمه أيضاً بممارسة
عمليات اغتيال وما إلى ذلك.

بشكلٍ عام، كان علاوي يمارس أنشطته وروتينه، بينما يستقر مسدسه بحزامه،
ويهدد بعض الطلبة به، وعُرف عنه أيضاً تحرشه بالطالبات، ومنهنّ د.هيفاء
العزاوي، التي كتبت عنه مقالة، وعن سيرته شاباً في لوس انجلوس تايمز.

كان علاوي واحداً من الذين يرتدون الملابس العسكرية ضمن الحرس القومي،
والمناوب اليومي في كليته، بل يُشاع كلام كثير عن اشتراكه بعمليات تعذيب على
بعض السياسيين المناوئين، في قصر النهاية الرهيب وغيره من الأماكن.

وتم اعتقاله، ثم إطلاق سراحه بعد وساطات عائلية، وارتبط مصيره حينها
بقيادات البعث، حيث كان جزءاً من جهاز حنين الأمني السري، لكنه غادر الحزب
لأسباب مجهولة، وتم إرساله إلى لندن ليكمل دراسته الطبية العليا، وتعرّف
هناك على شبكة الأموال والمخابرات، وتعرض لمحاولة اغتيال مرة في منطقة
كينغستون.

أقام علاوي علاقة خاصة مع الأجهزة الأمنية السياسية البريطانية، ثم انغمس
مرةً ثانية بالعمل السياسي، والتجاري، وتم استدعاؤه من السلطة البعثية لكنه
رفض، ومنذ ذلك الوقت انقطعت علاقته مع البعث، ليتحول الى معارض.

الشيزوفرينيا التي لدى اياد علاوي تعود إلى كونه من عائلة شيعية، ومقرب من
المسيحيين، حيث كانت زوجته مسيحية، والده من أصول حلية، لكن والدته
لبنانية، وعائلته مزيج من اليسار والبعث.

تعاون علاوي من أجل إطلاق تنظيم سياسي علني معارض ضد البعث، وتعاون مع
البعثيين الذين تركوا الحزب، وبالتالي ازدادت نشاطات علاوي، لأن عمله كان
منظما عكس قوى المعارضة الأخرى، وامتدت علاقاته لتشمل السعودية والكويت
ومصر، والكرد والمعارضة الإسلامية في ايران، فضلاً عن بعض البلدان الأخرى.

استثمر علاوي وجوده خارج العراق بعد هرب المئات من المدنيين والعسكريين
البعثيين، فكان خلاصاً لعديد من الشخصيات، لكن هذا التعاون انتهى عام 1993،
ثم وجّه وجهه لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بدلاً عن بريطانيا، ثم
ساهم بعدة هجومات داخل العراق.

لكن نجم علاوي بدأ بالصعود بعد سن قانون تحرير العراق من قبل الكونغرس، حيث
بدأ بتسريب الوثائق الخاصة والمعلومات السرية بخصوص عدد من الملفات الخطرة،
من أمثال النشاطات السرية للمشروع النووي العراقي، والعلاقة بين نظام صدام
والأصوليين الإسلاميين، وكان علاوي واحداً من مجيّشي الجيوش تجاه العراق حتى
لحظة 2003.

سقط صدام، الصديق السابق لعلاوي، وجاء مع أصدقائه الجدد، ودخل الى مجلس
الحكم، ليكون فرداً منها، ثم تعاون مع بريمر ليكون رئيساً للجنة الأمنية
لمجلس الحكم، وفيما بعد: عام 2004، شكلت الحكومة العراقية المؤقتة لتخلف
مجلس الحكم وسلطة الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر. وقام بدايةً بضرب
المسلحين الشيعة لتابعين لجيش المهدي، ومحاصرتهم في النجف، ثم قام بحملة
عسكرية واسعة على الفلوجة للقضاء على المسلحين السنة أيضاً بعد ذلك بفترة قصيرة.

وبعد أن بدأت سلسلة رؤوساء الوزراء التابعين لحزب الدعوة (الجعفري،
المالكي، العبادي) التي لم تنته حتى الآن، بقي علاوي بيضة قبّان، يُعاد
انتخابه دون معرفة السبب، فالعلماني يراه غير اسلامي، والإسلامي الشيعي يرى
علاوي شيعياً، والسنة يرونه ممثلاً للكليشيهات الجاهزة من أمثال: العمق
العربي وما الى ذلك من اشياء تفرضها علاقته مع السعودية.

عام 2010 حازت القائمة العراقية برئاسته في انتخابات مجلس النواب العراقي
على 91 مقعداً من أصل مقاعد البرلمان، واحتلت القائمة بذلك المركز الأول من
بين الكيانات المتنافسة. أما في انتخابات مجلس النواب العراقي الأخيرة لعام
2014 فقد تزعم ائتلاف الوطنية وتراجع عدد مقاعد كتلته الى 21 مقعداً.

صار علاوي "يعدد اياماً ويقبض راتباً"، ومجرد ديكور للعملية السياسية، وبدأ –
مع الشيخوخة – يتحوّل إلى طبع حاد، واحياناً بذيء، مع الإعلاميين، وغير
الإعلاميين، يحبه الفيسبوك العراقي ويعرّفه بأنه الذي "لا يدري"، والسياسي
الذي ليس له ضرورة فعلية، عدا كتابة بيانات كلاسيكية، تحاول التملق للخليج،
والمحافظة للبقاء والتنفس، وصولاً حتى إلغاء منصبه نائباً لرئيس الجمهورية،
ثم قرار إعادته إليه.

يبقى اياد علاوي جزءاً من الطبقة السياسية ما بعد 2003، الذين يأتمرون
بالرسائل النصية من سفارات مختلفة، ثم يجلسون امام التلفاز ليتحدثوا عن
ضرورة الوطنية!

طالباني وهيرو خان.. نهاية كوميدية لفيلم أكشن

 
*كأنها نهاية فيلم إيطاليّ كلاسيكيّ، (العرّاب) وهو ينقلب إلى (العرّابة)، أو
غيرها من مطوّلات السينما التي تعالج موضوع الأجيال، وتمتدّ أعمارها أمام
عينيك! *

*لم يكن جلال طالباني سياسياً عادياً، فهو أكثر من ذلك، يعامله الكرد كأب،
وهو مُقرّبٌ من السنة، الشيعة، وبالتأكيد الكرد، وأعظمُ الملفات الخلافية يُمكن
أن يحطمها بنكتة، ويكون هو والد الحل، ما يدفعُ من جديد إلى كونه أباً للكرد،
وأحياناً للسياسيين ككل.*

*ولد طالباني في مدينةٍ أسماها هو (قدس الكرد)، كركوك، وتحديداً في قرية
كلكان التابعة لقضاء كويه قرب بحيرة دوكان، والده هو حسام الدين الطالباني
شيخ الطريقة القادرية في شمال العراق، لكن الأب الأخروي، لم يمنع الابن من
أن يكون سياسياً دنيوياً من طراز رفيع، حيث انضمّ إلى الحزب الديمقراطي
الكردستاني بزعامة الملا البارزاني عام 1947، أي عندما كان عمره 14 عاماً،
وبدأ المسيرة السياسية في بداية الخمسينيات كعضوٍ مؤسس لاتحاد الطلبة في
كردستان داخل الديمقراطي الكردستاني.*

*وشابٌ نشيطٌ مثل جلال ترقى في صفوف الحزب بسرعة البرق، واختير عضواً في
اللجنة المركزية عام 1951، أي بعد 4 سنوات من انضمامه، وكان عمره 18 عاما.*

*ومثل أيّ مواطن عراقي ذلك الوقت، حاول طالباني الالتحاق بكلية الطب، لكن
سلطات العهد الملكي كانت تضع العوائق تجاه الطلبة غير العرب، فالتحق بكلية
الحقوق مطلع الخمسينيات، وتخرج عام 1959، والتحق بالجيش من أجل أداء خدمة
العلم، كما خدم بوصفه مسؤولاً لكتيبة عسكرية مدرعة، لكن عمله الفعليّ ذا
الأثر كان عام 1961.*

*اشترك طالباني في الانتفاضة الكردية ضد حكومة عبد الكريم قاسم، وبعد
انتهائها قاد الوفد الكردي للمحادثات مع رئيس الحكومة الجديد، عبد السلام
عارف، بعد انقلاب شباط الأسود، عام 1963.*

*لكن الطموح لا يتوقف، حيث بدأت الخلافات تكبر بينه وبين "الملا
البارزاني"، فانضمّ عام 1964 إلى مجموعة انشقت عن الحزب الديمقراطي، ليشكّلوا
المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني، الذي كان يتزعمه ابراهيم احمد.*

*وهنا تدخلُ الممثلة الكومبارس، هيرو خان، ابنة ابراهيم أحمد، السياسي
الكردي، والكاتب والروائي والمترجم، وهي من مواليد 1948، وهي خريجة الجامعة
المستنصرية باختصاص علم النفس، وتزوجت طالباني في وقت متأخر نسبياً بالنسبة
لعمريهما: 1977، وأنجبت له ولدين، بافل طالباني، وقباد طالباني (نائب رئيس
مجلس الوزراء في اقليم كردستان).*

*المجموعة التي أسسها ابراهيم احمد، انحلّت عام 1970، بعد أن وقع الحزب
الديمقراطي وحكومة بغداد اتفاق سلام، حمل عنوان (اتفاقية الحكم الذاتي
للأكراد).*

*الحركة الكردية انهارت، بعد أن وقع شاه ايران معاهدة الجزائر، ما أدى لسحب
الشاه لدعم إيران عن حركة الكرد، ما أدى لوقف الصراع المسلح بين الكرد
والحكومي، آنذاك أسس طالباني: حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، عام 1975،
وكان حزباً اشتراكياً.*

*بدأ الحزب حملة عسكرية ضد بغداد، كما توقفت هذه الحملة لفترة قصيرة، حين
أعرب صدام عن رغبته لعرض صلح ومفاوضات، لكنها فشلت، وعاد الصراع، لكن حزب
طالباني انتكس نكسة كبيرة، ما أدى إلى مغادرة طالباني شمال العراق واللجوء
لإيران.*

*تلك النكسة جعلت طالباني يفكر بطريقة مختلفة، حيث تم تمهيد إعلان التحالف
الغربي لتحويل شمال العراق إلى منطقة لحظر الطيران، لتكون ملاذاً آمناً
للكرد، ثم بدأ التقارب بين الاتحاد الوطني الكردستاني، والحزب الديمقراطي
الكردستاني بزعامة مسعود، ثم نُظّمت انتخابات في كردستان، وتشكّلت – عقب فشل
الانتفاضة الشعبانية في الجزء العربي من العراق – إدارة مشتركة للحزبين،
لكن التوتر زاد، ومسعود الابن لا ينسى تخلّي طالباني عن أبيه وشقّ عصا الكرد،
ما أدى لمواجهة عسكرية عام 1996، وبعد جهود أميركية حثيثة وتدخل بريطاني،
ونتيجة اجتماعات عديدة بين وفود من الحزبين وقع البرزاني والطالباني
اتفاقية سلام في واشنطن في سنة 1998م.*

*هدوء مريب امتد بين نهاية التسعينيات حتى عام 2003، لكن سقوط صدّام قرّب
الاصوات الكردية، وكان طالباني واحداً من آباء السياسة الجديدة بعد 2003،
لِما له من علاقات ودية مع السياسيين العرب.*

*وبالتالي، كان طالباني ممثلاً لصوت الكرد، وأباً روحياً، وساعياً للتهدئة،
وكانت هيرو تحمل لقب (السيدة الأولى) فقط، مع تاريخٍ رمزيّ، لكنها كانت تقاتل
الى جانب زوجها، بوصفها عنصر بيشمركة.*

*ويذكر بعض السياسيين، أن طالباني يهابُ هيرو بشكلٍ كبير، ليس احتراماً فحسب،
بل لم يتجاوز أنها ابنة ابراهيم أحمد، يوماً، وبالتالي كان لها أكثر من مجرد
لقب (السيدة الأولى)، فهي، وبسرعة الرصاص نمت داخل الاتحاد الوطني
الكردستاني، وليس هذا فحسب، بل بقيت تزاحم القيادات القديمة والذكور، من
الملا بختيار، وصولاً لبرهم صالح، وكوسرت رسول.*

*كان هذا النمو المفاجئ بين عامي 2007، وهو تاريخ إصابة طالباني بوعكة
صحية، واستمرت صحته بالتراجع، حتى بقي لفترة طويلة نسبياً في ألمانيا
للعلاج، وبذلك الوقت كانت هيروخان هي صاحبة العلاقات السياسية، والنشيطة،
وكأنها تملأ مكان زوجها.*

*لكن السياسيين الكرد، ضاقوا ذرعاً بهم، أما يكفي تهديد مسعود بارزاني
ومحاولته لالتهام كلّ شيء، حتى تخرج لهم هيروخان؟ وبذلك ظهرت بوادر
الانشقاق، حين سعى برهم صالح وكوسرت رسول إلى تشكيل مركز قرار داخل الحزب،
للحدّ من تأثير هيروخان.*

*اليوم طالباني شبه ميت، لا اثر له، سوى ظهوره ببعض صور الزائرين له،
واللاعب الرئيس هو السيدة الأولى التي صارت السيد الأول، السيدة صاحبة
العلاقات الوطيدة مع سياسيين اسرائيليين على رأسهم ليفي، والمرأة التي لا
ينتهي طموحها، حتى صار زوجها مجرد جسد منخور.*

عباس البياتي.. فقاعة من سخافة الكلام



لم يكن عباس البياتي نائباً اعتيادياً، فهو كان مجرشة من الكلام البارد، الذي
لا محتوى له، والذي لم يقم بأيّة فائدة تذكر، للمواطنين، أو لجمهوره الذي
انتخبه على غفلة من الزمن، أو اشتراكه بالعملية السياسية العرجاء.

ليس شخصية اعتيادية، متملقٌ من طراز رفيع، أيّاً كان رئيس الوزراء فهو تابعٌ
له، حتى إن تناقضَ الرئيسان، كما في حالة المالكي والعبادي.

كما أنه لا يتورع عن الكسب الانتخابي بشتى التسميات، فهو نائب يصدّر نفسه
بأنه شيعيّ، وإسلاميّ، وتركماني، ليكون "منين ما ملتِ غرفتِ" كما يقول المثل
الشعبي، وبشكلٍ اعتياديّ وواضح، من الممكن أن يقول عباس البياتي التصريح،
ويلغيه بتصريح آخر بعد دقائق.

ينحدرُ البياتي من عائلة بسيطة من طوزخرماتو، القضاء الذي أنهكه الإرهاب
والمفخخات، والذي لم يتكلم باسمه، أو يشرح مصائبه، لأن السلطة لا تهتم
بالضحايا، ويبدو أنه على تاريخٍ غير متوافق مع الأهالي، بحكم أنه كان ضابطاً
خلال الحرب العراقية الإيرانية، قبل أن يتعرض للأسر، وقيل أنه تعمد هذا.

بعد أن صار البياتي أسيراً، دخل ضمن النظام الذي كان يخيّر الأسير أن يبقى
أسيراً، أو يكون "توّاباً" بحسب اصطلاحهم، وهو الرجوع عن البعث، والإندراج ضمن
الفصائل العراقية الإسلامية التي كانت تقاتل الجيش آنذاك، فعمل في صفوف
المجلس الأعلى للثورة الإسلامية آنذاك، وتدرب وصار مقرباً من حزب الدعوة
هناك بذات الوقت.

ثم غادر إيران إلى سوريا، وأسس الاتحاد الإسلامي لتركمان العراق وعقد
مؤتمره التأسيسي عام 1991، ثم عقد مؤتمر شهداء التركمان، وبشكلٍ عام كانت
خطوة ذكية من طهران، لإيقاف المدّ التركي السنّي على الحركة التركمانية.

كان البياتي هو البوابة التي قلبت الهوية التركمانية من هوية قومية إلى
هوية طائفية، وفي الاستهداف الذي يتعرضون له بدا إن انتخاب البياتي ومن معه
هو الأقرب والأضمن، لكنهم لم يكونوا للحظةٍ تركمانيين، بل كانوا ضمن المكائن
الطائفية المتقابلة: السنية – الشيعية.

للبياتي تصريحات كثيرة، مرةً تكون مثيرة للجدل، ومرة تكون مثيرة للسخرية،
حتى إنه معروفٌ عنه خروجه اليومي من كافتيريا مجلس النواب ليخاطب الصحفيين
كأي بائع خضار في السوق: يللا منو يريد تصريح؟ وين الشرقية وين البغدادية
وين العراقية الخ..

لعب البياتي كثيراً على ورقة كركوك، حيث دعا حينها إلى جعلها إقليماً خاصاً،
وتشكيل هيئة رئاسية لحكمها، وبذلك خسر الكرد آنذاك، ثم طالب بتمثيل
التركمان في المجلس السياسي الوطني، باعتبارهم ثالث أكبر قومية بعد العرب
والكرد، وحينها ألجمَهُ المجلس الأعلى كي لا يفسد الشراكة الحكيمية – الكردية
التاريخية.

يحصل البياتي على دعمٍ جبار، حيث يفتح مكاتب مستمرة للاتحاد في لندن وطهران
وسوريا والمانيا وهولندا وغيرها، لكنه يفقد جمهوره باستمرار، خصوصاً بموقفه
المخجل من وجهة نظر التركمانيين إبّان ضرب قضاء تلعفر، حيث نشط من أجل
محاولة تهدئة الوضع بين التركمان وبين قوات الجيش.

يتملق البياتي بشكلٍ عجيب لرؤساء الوزراء، خصوصاً المالكي، بل هو دعا بشكلٍ
جاد لاستنساخ المالكي وخلاياه من خلال "العلم المتطور" وظل من المدافعين عن
الولاية الثالثة له، ولقاء ذلك كان الدعم المُقدم له شيئاً كبيرا من قبل صقور
دولة القانون والدعوة.

واستمر التملق، حين اراد مجلس النواب العمل بسياق دستوري لاستضافة رئيس
الوزراء الحالي حيدر العبادي قال إن "العبادي رمز الدولة، هي هيته يومياً
تقولون: تعالوا نستجوبه؟"، وعاد من جديد ليتملق المرجعية واقفاً ضد الحق
الدستوري للمواطنين إن "رئاسة الوزراء خط احمر، ومهما كانت التظاهرات،
لكننا نقف ونقول (كافي)، لأننا تحت سلطة المرجعية".

وردّ المتظاهرون حين اقتحموا الخضراء بشكلٍ جاد، حين حاصروه وتم ضربه قبل أن
يهرب بشكلٍ سريع من المكان الذي فيه.

يقول عباس البياتي في سيرته الذاتية التي كتبها إنه "لم يغب عن جلسات مجلس
النواب ومواظب على الحضور، ولم يجلس على كرسيه ساكتا بل كان يجاهر برأيه
دوما"، لكن هذه المجاهرة هي غالباً ما تكون تصريحات مضحكة من قبيل الدعوة
الى استنساخ المالكي المذكورة آنفا، أيام ما كان يمسح اكتاف "الحجي" كما
يلقبه، مؤكدا ان المالكي هو صاحب تجربة تثبت ان الشيعة هم اهلٌ للحكم،
وليسوا للطم.  بل برّر حتى لتوزيع السلاح على رؤساء العشائر من قبل المالكي
كدعاية انتخابية، مشيراً إلى أن هؤلاء الشيوخ يجب أن يتباهوا بإهداء السلاح لهم.

ورغم انه كان عضواً في لجنة العلاقات الخارجية، إلاّ أنه كان صنبوراً كبيراً
للتصريحات التي تخرّب العلاقات العراقية الإقليمية، عدا إيران بالتأكيد،
التي هي خط أحمر و"صاحبة الخبزة" بالنسبة له.

بكل الأحوال ينتمي عباس البياتي الى منظومة النواب الذين يثرمون الكلام بلا
نتيجة، آلاف التصريحات التي لم تعرّف الناس بمظلومية التركمان، أو الشيعة،
أو العراقيين بشكل عام، فمن يستحق الدفاع لدى البياتي هو رئيس الوزراء أياً
كان، ولا مكوّن له إلاّ حينما يقترب موعد الانتخابات ليلعب على الحبلين:
الطائفيّ والقومي، حتى يأتيه اليقين ويعود لمجلس النواب ورواتبه العظيمة.

خالد الملا.. معمم عراقي بنكهة “بصراوية”


لم تقدم نسخة اللاهوت السني معمماً وسطياً إلاّ ما ندر، بل على العكس، كانت
النسخة السنية هي الأقرب للتطرف، والإرهاب، لدرجة أنها غطّت حتى على متطرفي
اللاهوت الشيعي، وصاروا لا يُذكرون بسبب كثافة المعممين السنة المتطرفين.

بعد عام 2003، لعب علماء الدين السنة أدواراً سلبية، تجاه العملية السياسية،
وتجاه عراق ما بعد 2003، ذلك أن أغلبهم كان مقرباً من الرئيس صدام حسين،
الديكتاتور الطاغية، وبالتالي لم يتقبلوا فكرة فقدان الرأسمال الرمزي
السلطوي، ما أدى لاندراجهم بما يُسمى بـ"المقاومة"، وتم التعاضد مع
التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها: القاعدة، النقشبندية، أو حزب البعث على
أقل تقدير.

وكانت "هيئة العلماء المسلمين" هيئة شبه إرهابية، فهي، وطوال سنوات، لم تقم
بإدانة اعتداء واحد للقاعدة، بل على العكس، نشرت ذات مرة بياناً وهي تشير
الى "الأخ أبي مصعب الزرقاوي"، ثم على لسان زعيمها الشيخ حارث الضاري قال:
القاعدةُ منا ونحن منها.

كان الوضع يحتاج إلى حركة سنّية مع العراق الجديد، وتشير الى رجال دين
وسطيين، يعملون على التقريب بين المذاهب، والهدوء النسبي داخل العراق، ومن
هنا: ظهر خالد الملا.

وهو خالد عبد الوهاب أيوب الملا، ولد في البصرة عام 1967 من أبوين عراقيين،
لكنه أقام في بغداد لمدة طويلة.

تخرّج الملاّ في الثانوية الشرعية عام 1987، ثم في المعهد الإسلامي العالي
لإعداد الأئمة والخطباء، ضمن الوجبة الثالثة عام 1991، قبل أن ينال شهادة
البكالوريوس في العلوم الشرعية من كلية الإمام الاعظم في بغداد عام 1998.

وبين الخطابة والأكاديمية، نال الملا شهادة الماجستير في التفسير من كلية
الإمام الأعظم في بغداد عام 2002، وشهادة الدكتوراه في علوم القران من معهد
الدعوة الجامعي / بيروت.

حاضرَ الملاّ في أماكن عدّة، مثل كلية الإمام الاعظم، قسم البصرة، ومدرسة
الإمام الحسن البصري الدينية، فضلاً عن أنّه كان إماماً وخطيباً في مساجد
متعددة، وفي مدن متعددة مثل بغداد، الحلة، ذي قار، البصرة.

انتهج الملا منهج الوسطيّة والاعتدال، بل كان من أوائل نشاطاته تأسيس مؤسسة
بهذا العنوان "مؤسسة الوسطية والاعتدال في العراق"، من أجل خطابٍ معتدل من
الممكن أن يعيش من خلاله السنّي والشيعيّ بسلام، ولم تكن هذه المؤسسة هي
الأولى، فقد أسس قبلها رابطة الوحدة الإسلامية في محافظة البصرة عام 2004.

وبعد أن صار تأثير "هيئة العلماء المسلمين" سيئة الصيت عاليا، كان من
الضروري وجود مؤسسة تعبّر عن اتجاه سنّي معتدل، فتصدّى الملاّ وقام بتأسيس
(جماعة علماء العراق)، وكان عنوانها "إنما المؤمنون أخوة"، وسط التكفير
الذي تعجّ به الأوساط السنية.

وانتهج أيضاً في المؤسسة محاولات ومشاريع عديدة لتفكيك فكر الحركات
الإسلامية المتطرفة، ومحاولة مكافحتها، والوقوف ضدّها، في حين صمتت كل
المؤسسات السنية العراقية والعربية عن الحركات المتطرفة، وشارك في مؤتمرات
كثيرة للتقريب بين المذاهب وللوقوف ضد التطرف، في بلدان عديدة مثل سوريا،
الكويت، المملكة العربية السعودية، أيران، أمريكا، لندن، موسكو، مصر،
لبنان، قبرص واندنوسيا.

يدعو الملا إلى التقارب السني – الشيعي، لدرجة أنّ متطرفي السنة يعتبرونه
شيعياً، ويرونه متملقاً، ويحاول أن ينال مناصب ومنافع، لكن وعلى غير العادة،
لم يتولَ الملاّ أي مناصب ذات قيمة ماليّة، لكنه ظلّ متواجداً في الوسط السياسي.

للملاّ علاقات وطيدة مع أطراف شيعية تؤمن بالاعتدال، فضلاً عن أطراف سنية
أخرى، لكن مواجهته الكبرى كانت بعد ظهور تنظيم داعش، حيث وضع الملاّ النقاط
على الحروف بمواضيع كثيرة، على رأسها: صمت الأزهر تجاه اعتداءات داعش،
وتداخل الخطاب التكفيري مع الخطاب الديني.

حصل الملا على جائزة السلام من مجلس اللوردات البريطاني، وهو عضو في مجمع
التقريب العالمي بين المذاهب الاسلامية .

يرى الملاّ أن هناك نسخاً عديدة من داعش ستظهر بعد داعش، لأن التطرف السني لم
يتم علاجه بشكل جيد، ويرى أن التطرف يظهر من علماء السنة الكبار، خصوصاً في
السعودية، مثل الكلباني ومن يشبهه، وبالتالي: إن لم يتم علاج التطرف من
منبعه، لن تتوقف نسخ التنظيمات الإرهابية عن التناسل.

كما يبدو الملاّ منطقياً، حيث رأى ممّن رأوا عدم ضرورة مقاتلة القوات
الأجنبية، وأصدر فتوى بهذا العنوان، لِما يمتلكه هذا العنوان من مطّاطية تسمح
لانتشار الأعمال الإرهابية بحجة المقاومة.

يرى الملاّ أن السنّة في العراق يتبعون عادةً أصحاب المال والسلطة، في حوارٍ
أثار جدلاً كبيراً، وهم ينقلبون على الشرعية في العراق المتمثلة برأس الدولة
العراقيّة، وفق مبدأ "ولي الأمر" القرآنيّ.

كما أنّ واحدة من أهم لحظات التقارب السني – الشيعي كانت بسبب الملاّ، وهي
جملة المرجع الديني الشيعي الأعلى السيد السيستاني "السنة أنفسنا"، قالها
مع الملاّ، ونقلها الملأ، وساهمت بإطفاء حرائق عديدة.

يُعتبر الملاّ من المغضوب عليهم لدى السنّة، لكنه محبوبا لدى الشيعة، فهو لا
ينفكّ عن دعم القوات الأمنية، والوقوف ضد الإرهاب والتطرّف، ووضع الأسماء تحت
مسمياتها، ويرى أن "ما دمّر البلد هو الانقلاب [السني] على الشرعية الفقهية،
ولو التزم السنّة بها لمَا دُمّر العراق لهذه الدرجة".

كما يهوّن الملاّ من التصريحات التي تقول باستهداف السنّة في البصرة، ويراها
اكاذيب، وأن السنة متحررون، ومساجدهم سالمة، ولا أحد يستهدفهم.

قد تبدو هناك ملاحظات على الملاّ، لكنه يكاد يكون الصوت السني الوحيد
المعتدل، الذي يدعو الى الوئام، ويكرر فكرة إن التطرف مُستورد، ومدفوع
الثمن، ومؤسَّس وفق مَن يريدون ممارسة التطرف تجاه العراقيين، في حين تبقى
مدنهم آمنة، وإن كان أمناً جزئياً ومؤقتاً، فلا بد أن يتذوّق طابخ السمّ سمّه،
ولو بعد حين.

"أثيل مان" النجيفي.. الصبي العثماني في اللحظة الحرجة


لم يكن سياسياً اعتيادياً، هو خلطة عجيبة، من التفاهة والسطحية والعمالة، بل
هو شخص يعمل لمصلحة أنقرة والسراي العثماني التركي أكثر مما يعمل السفير
التركي نفسه.

ولد اثيل النجيفي، وهو ايضاً شقيق السياسي العراقي أسامة النجيفي، في الموصل
عام 1958، وينحدر من أسرة موصلية معروفة بعلاقاتها الوطيدة مع العثمانيين
في بدايات القرن الماضي، وكان هو وشقيقه ثمرتي خراب لائقتين باللحظة
العراقية السخيفة التي تم تأسيسها ما بعد 2003.

أكمل النجيفي دراسته الأولية والمتوسطة والإعدادية في الموصل، وعُرف عنه أنه
رجل أعمال ومهندس ومحامٍ أيضاً، حيث دخل كلية الهندسة في جامعة الموصل قسم
الهندسة المدنية سنة ١٩٧٥ وتخرج منها عام ١٩٧٩. اعقبها بدخوله لكلية الحقوق
سنة ١٩٩٤ و تخرج منها عام ١٩٩٨، كما يُعتبر من المتوائمين مع النظام
الصدامي، حيث استمر بين عاميْ ١٩٧٩- ١٩٨٥ بخدمة عسكرية في أشغال القوة
الجوية بصفة مهندس مشرف على انشاء المطارات ١٩٨٥ – ١٩٩٥، قبل أن ينتقل إلى
ادارة الاعمال الزراعية والعقارات والإنشاءات ١٩٩٥ – ٢٠٠٦، وليس انتهاءً
بإدارة العقارات والمحافظ المالية والشركات المساهمة ٢٠٠٦ – ٢٠٠٩، ثم ادارة
وسائل إعلامية وتنظيمات سياسية في محافظة نينوى، كما أسس عدة شركات قبل
سقوط صدام، دعمه بهذا توجهه البعثي، كما أسس وكالة أنباء حملت اسم
(عراقيون) عام 2004.

كان من الغريب أن يُنتخب أثيل النجيفي محافظاً لنينوى، فهو ذو موقف سياسي
غريب، فمَن يتسلم راتباً لقاء عمله كرئيس للسلطة التنفيذية المحلية في ثاني
اهم محافظة عراقية بعد العاصمة، يعمل معارضاً للدولة العراقية، ورغم أن آل
النجيفي يستلمون عشرات الملايين من الدنانير شهرياً، لكن مهمتهم هي الطعن
بالعملية السياسية، وليس ذلك فحسب، بل كانوا يعملون بتحريض الأهالي ضد
القوات الأمنية، بل هو من ابتدع مصطلح "جيش المالكي" وكان من منظمي مؤتمرات
معارضي العملية السياسية العراقية المنعقدة في الخارج، والذين غالباً ما
يكونوا امتداداً لخطوط إرهابية، وكان النجيفي أصلاً من منظريْ ومفضّلي التدخل
الخارجي بشؤون العراق.

للنجيفي عدة خطوط، وتهم، وتكفي لإعدامه، منها أنّه قام بالتلاعب بسجلات
دائرة التسجيل العقاري في مدينة الموصل واعترف المتهم بأغتيال مديرة دائرة
التسجيل العقاري في الساحل الأيسر لمدينة الموصل (خولة السبعاوي) بإنه نفذ
عملية الاغتيال بإيعاز من أثيل النجيفي, واعترف النجيفي في اجتماع لمجلس
محافظة نينوى عقد في مدينة ألقوش بعد سقوط مدينة الموصل بنحو شهرين بأنه
قام بالتفاوض مع ارهابيي تنظيم داعش.

وليس ذلك فحسب، بل هو أيضاً متهم بشكل أساسي بسقوط محافظة الموصل بيد تنظيم
داعش الارهابي، كما أنه متهم بإصداره اوامر بتغيير مواقع القوات العسكرية
المتمركزة في مدينة الموصل عام 2014 الى ناحية الشورة وبالتالي خسارة محور
مهم لصالح تنظيم داعش.

ومن المضحك المبكي هو ظهور النجيفي في الليلة التي سبقت سقوط مدينة الموصل
في صورة بثها على مواقع التواصل الاجتماعي، تظهره يحمل بندقية كلاشنكوف
ويتجول مع بضعة اشخاص ليلا، اختفى النجيفي بعدها لفترة طويلة ليظهر بعدها
مرتديا البزة العسكرية، متخذا من اقليم كردستان معسكرا ومؤسسا جيشا لتحرير
نينوى.

وفي حين يسعى العراقيون جميعهم لتحرير الموصل، مرةً يصرخ مطالباً بدعم قواته
التي لم تقم بحماية نينوى من السقوط بلحظة سقوطها، أو يبادر بالإساءة للجيش
العراقي، أو الحشد الشعبي، أو التنظير للتدخل التركي، أو السكوت عنه وهذا
أضعف الإيمان.

منهج النجيفي في الحكم هو: كل من لا ينتهج الخط النجيفي هو عميل، فالاتحاد
الوطني الكردستاني إيراني، البيشمركه كذلك، الجيش يتبع رئيس الوزراء
"الصفوي" على حد تعبيره، والحشد الشعبي أيضاً تشكيل إيراني برأيه، ورغم أنه
كان ثالث ثلاثة مسؤولاً عن سقوط نينوى، والمجازر والجرائم التي قام بها
تنظيم داعش الإرهابي، لكنه لم يتعرض لأية محاسبة، سوى بعض التصريحات من بعض
السياسيين التي انتقدته، والتي لا تشكل أية أهمية على أرض الواقع.

اشتراكه الحالي في معركة الموصل يؤكد ذلك، فحتى الآن و"الحشد الوطني" كما
يسميه، لم يشترك بصورة فعلية، رغم أن له أكثر من 10 تصريحات بضرورة تحرير
المنطقة بأيادي أبنائها، وبالتالي يتبع المثل الشعبي الذي يقول "لا أعطيك،
ولا أخلي رحمة الله تجيك".

وبعد أن صار قريباً لفترة من خطاب داعش، وقال جملته الشهيرة "نحن نتفق مع
داعش بأشياء عديدة"، صدّر نفسه بوصفه محارباً لداعش، بقوله " اننا نعرف بان
داعش هي مشروع حرب دائم مع الشرق والغرب ومع الداخل السني وان خيار داعش
يعني استمرار نهر الدم في المنطقة وعدم وجود اي إمكانية للتفاهم او التهدئة
مع مثل هذه المجموعة الهمجية. ولكن نظرة النخب السنية المثقفة لن تكون
بالضرورة نظرة اليائسين من السنة والمتقوقعين داخل إطار فكري مغلق"،
وبالتالي: يرى أن الانفتاح السني في الموصل هو انفتاح على الأتراك، بل أن
صورته ضاحكاً مع داوود أوغلو، المسؤول التركي المؤثر، يتعمد نشرها عبر جيشه
الإلكتروني.

من المؤكد أن النجيفي لن يحصل على محاكمة، أو إلقاء قبض، بل حتى المذكرة
التي صدرت مع بدء معركة الموصل، يعرف العراقيون أنها مجرد حبر على ورق، لا
تسمن ولا تُغني، وأنها لا تختلف عن كل الإجراءات الباقية بحق المسؤولين
العراقيين، الذين يضيعون البلاد، ويعودون ليبتسموا أمام الكاميرا، لكن
الثابت هو أن النجيفي صبيٌّ تركي، الفوضى العراقية جعلته واحداً من المسؤولين
عن إسقاط واحدة من أهم المدن والحواضر العراقية، وبالتالي: لا تعنيه من
نينوى وتنوعها وحضارتها سوى خيوله، تلك التي غنى بقربها الدواعش "حنّا بقصر
النجيفي، نحسب الناس ونضيفِ، يا عاصب الراس وينك".

فائق الشيخ علي.. قاموس الشتائم الذي لا ينتهي



ولد فائق بن دعبول بن عبد الله النجفي عام 1963، ولمّا لم يكن "دعبول" اسماً
يليق بسياسيّ، غيّره الى "فائق الشيخ علي"، نسبةً الى جده الشيخ علي المرندي
النجفيّ، والذي يُعتبر من علماء اللاهوت في النجف الأشرف.

وكأيّ نجفيّ صاعد، لا يُمكن أن تحتويه محافظةٌ نصفُها عمائم والآخر جنائز، وجّه
وجهه الى العاصمة، لينال البكالوريوس من كلية القانون والسياسة عام 1986.

النجفيّ سليط اللسان لم يكن ذا نشاط سياسيّ في تلك الفترة، فالآذان مفتوحةٌ
على أقصاها تتصيّد الكلام، لكنّ المصادر تشير الى أنّه كان من ضمن ثوّار
انتفاضة آذار عام 1991، لكنه يزيد بالقول "إنني كنتُ في مسكن السيد أبي
القاسم الخوئي"، المرجع الديني الأعلى للشيعة في ذلك الوقت، ولمّا أحكمت
الدباباتُ الصدامية قبضتها على المدينة، كان ممّن توجّه استقرّ بمخيم رفحاء في
المملكة العربية السعودية، ومكث عاماً كاملاً هناك في الصحراء، قبل أن يذهب
من هناك الى مخيّم "جُهرم" في ايران.

ولأن الشيخ علي لم يكن قريباً من أجواء المعممين ورجال الدين، فضلاً عن وقوفه
السلبي من إرثه العائلي الذي كان يُطارده، فكيف يكون حفيد رجل الدين، وابن
النجف، علمانياً وليبرالياً؟ فرأى أنّ عاصمة الضباب، لندن، أفضل بكثير من
عاصمة الساهون والمسابح والعمائم السود، فكان هناك عام 1993.

ومرحلة لندن كانت مزدهرة، لذلك السياسيّ المقرب من الجميع سرّاً، والواقف ضد
الجميع أمام الناس، فكان يتنقلُ بين الأطراف المختلفة، من أجل إدامة الزخم
بالمعارضة العراقية، مستفيداً من ليبراليّته مع العلمانيين، ونجفيّته مع
الإسلاميين، وصداقته مع الكرد وغيرهم، حيث شارك في العديد من الإجتماعات
والمؤتمرات للمعارضة العراقية في لندن ، آخرها مؤتمر لندن عام 2002، كما
كان مقرباً من الخليج فنشر العديد من البحوث والمقابلات والتحليلات السياسية
في كبريات الصحف والمجلات العربية الصادرة في لندن كـ( الحياة ) و( الوسط )
وغيرهما، وكان كاتباً اسبوعياً في جريدة (الحياة) اللندنية ذات التمويل السعودي.

ولأنه طاقة صوتية، ظلّ يتكرر ظهوره على شاشات التلفاز قبل عام 2003 بشكل
مكثف، خصوصا على قنوات الـANN وقناة الجزيرة وقناة المستقلة ، وعُرف بين
المعارضين العراقيين بــ"صحّاف المعارضة العراقية"، وظلّت هذه الصفة ملازمةً
إياه، حتى أنه ليفضّل الظهور في برنامج تلفزيوني على الحضور في مؤتمر أو
تقديم ورقة عمل أو ما شابه، حتى وافق على الظهور ببرامج عادية جداً، وربما
لا تليق باسمه السياسي.

ورغم أنّ الشيخ علي يؤمن بأنَّ ما حدث من نشاطات سياسية بعد 2003 هو خاطئ،
وبناء مغلوط، لكنه عاد وشارك، وظلّت عينه على الكرسيّ، أيّ كرسي، فهو كان قد
سعى لأن يكون السفير العراقي في الكويت قبل أن يعود بخفيْ حنين، ثم الاشتراك
بالانتخابات التشريعية، واللقاءات التلفزيونية، حتى فاز أخيراً بالانتخابات
الأخيرة عن "التحالف المدني الديمقراطي".

بين ظهور خافت، وآخر مجلجل، عادت الطاقة الصوتية مجدداً للعمل، استثمر كل
الانفعال والكلام الجارح والبذيء أحياناً، ليبدأه بالبضاعة الأسهل وقتها:
انتقاد المالكي بشدة، حيث أسمى الدولة العراقية بعهد المالكي بـ"دولة
حمودي"، نسبةً الى أحمد المالكي، ابن رئيس الوزراء السابق.

وليس المالكي فحسب، او ابنه، عاد الشيخ علي لينتقد واحداً من مشاهير الخطباء
وهو عبد الحميد المهاجر حيث انتقد حديث الأخير عن "جكليتة" فيها كرامات
وشفاء، واصفاً إياه بـ"الضال المُضل"، وأن أثر السجود بجبهة المهاجر "بحجم
حافر قندرتي" على حد تعبيره.

وبشكلٍ عام، يبدو القاموس اللفظي هو الأكثر حدة لدى فائق الشيخ علي، ويستثمر
كل ردات الفعل، من تعابير الوجه وتغيير طبقة الصوت ثم المفردات التي بعضها
بذيء وآخر جارح.

ويبدو أنّ نزعة الوقوف ضد الإسلاميين مُلازمة للشيخ علي، فهو يُصرّ في كل لقاء
على الوقوف ضد حزب الدعوة الإسلامية، حتى وصل الأمر بقوله إن "حزب الدعوة
لا يملك مفكراً سياسياً واحداً بعد محمد باقر الصدر"، ثم يضيف "قرأتُ في حياتي
أكثر من 10 آلاف كتاب".

وبين هذا وذاك، يبقى الشيخ علي مقرباً من الخليج، خصوصاً من الكويت التي أقام
فيها فترة من الزمن، وكما أشرنا، حاول وجاهد لأن ينال منصب السفير العراقي
هناك، لكنه فشل بذلك، فبقي داخل العملية السياسية نائباً عن التحالف المدني
الديمقراطي ذي الأغلبية الشيوعية، وضد العملية السياسية بذات الوقت.

حصل الشيخ علي على 24 ألف صوت تقريباً، ليكون تحت قبة البرلمان، لكنه،
والانتقادات التي تُوجّه له من جمهور التحالف، بقي صامتاً، مثل رفيقيه
بالتيار: مثال الآلوسي وشروق العبايجي، ولم يُشاهد للإدلاء برأيه الا ما
ندر، أما أهم ما تحدث فيه في المؤتمرات هو انتقاده لدورات المياه في مجلس
النواب في مؤتمر صحفي!

يشتهر الشيخ علي بأنه ذو مزاج حاد في موقع فيسبوك، يحظر كلّ الآراء التي
تخالف وجهة نظره، حتى وصل الأمر به بشتم متابعيه ذات مرة، واصفاً إياهم
بـ"الكاذبين" و"العدوانيين"، بمنشور اثار عليه غضب جمهوره بشكلٍ كبير، حتى
شُتم عشرات المرات في الفيسبوك، ومن الذين انتخبوا القائمة بشكلٍ خاص.

وفي حين يهاجم الشيخ علي الإسلاميين، يحتفظ بعلاقات وطيدة معهم، خصوصاً
بالمعروفين بأموالهم الكثيرة، مثل بهاء الأعرجي، وبعض قيادات الدعوة، كما
يرتبط بالملياردير العراقي عون الخشلوك بصداقة وطيدة، ما جعله ضيفاً دائما
للبغدادية.

وبين لندن وبغداد، يبقى الشيخ علي رافضاً العملية السياسية وجزءاً، منها، يقف
ضد الجميع ويصادقهم سرّاً، يدور على الناس قبل الانتخابات ويشتمهم بعدها، في
خلطةٍ مناسبة جداً للحظة الفوضوية العراقية بكل تجلياتها.