لم تقدم نسخة اللاهوت السني معمماً وسطياً إلاّ ما ندر، بل على العكس، كانت
النسخة السنية هي الأقرب للتطرف، والإرهاب، لدرجة أنها غطّت حتى على متطرفي
اللاهوت الشيعي، وصاروا لا يُذكرون بسبب كثافة المعممين السنة المتطرفين.
بعد عام 2003، لعب علماء الدين السنة أدواراً سلبية، تجاه العملية السياسية،
وتجاه عراق ما بعد 2003، ذلك أن أغلبهم كان مقرباً من الرئيس صدام حسين،
الديكتاتور الطاغية، وبالتالي لم يتقبلوا فكرة فقدان الرأسمال الرمزي
السلطوي، ما أدى لاندراجهم بما يُسمى بـ"المقاومة"، وتم التعاضد مع
التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها: القاعدة، النقشبندية، أو حزب البعث على
أقل تقدير.
وكانت "هيئة العلماء المسلمين" هيئة شبه إرهابية، فهي، وطوال سنوات، لم تقم
بإدانة اعتداء واحد للقاعدة، بل على العكس، نشرت ذات مرة بياناً وهي تشير
الى "الأخ أبي مصعب الزرقاوي"، ثم على لسان زعيمها الشيخ حارث الضاري قال:
القاعدةُ منا ونحن منها.
كان الوضع يحتاج إلى حركة سنّية مع العراق الجديد، وتشير الى رجال دين
وسطيين، يعملون على التقريب بين المذاهب، والهدوء النسبي داخل العراق، ومن
هنا: ظهر خالد الملا.
وهو خالد عبد الوهاب أيوب الملا، ولد في البصرة عام 1967 من أبوين عراقيين،
لكنه أقام في بغداد لمدة طويلة.
تخرّج الملاّ في الثانوية الشرعية عام 1987، ثم في المعهد الإسلامي العالي
لإعداد الأئمة والخطباء، ضمن الوجبة الثالثة عام 1991، قبل أن ينال شهادة
البكالوريوس في العلوم الشرعية من كلية الإمام الاعظم في بغداد عام 1998.
وبين الخطابة والأكاديمية، نال الملا شهادة الماجستير في التفسير من كلية
الإمام الأعظم في بغداد عام 2002، وشهادة الدكتوراه في علوم القران من معهد
الدعوة الجامعي / بيروت.
حاضرَ الملاّ في أماكن عدّة، مثل كلية الإمام الاعظم، قسم البصرة، ومدرسة
الإمام الحسن البصري الدينية، فضلاً عن أنّه كان إماماً وخطيباً في مساجد
متعددة، وفي مدن متعددة مثل بغداد، الحلة، ذي قار، البصرة.
انتهج الملا منهج الوسطيّة والاعتدال، بل كان من أوائل نشاطاته تأسيس مؤسسة
بهذا العنوان "مؤسسة الوسطية والاعتدال في العراق"، من أجل خطابٍ معتدل من
الممكن أن يعيش من خلاله السنّي والشيعيّ بسلام، ولم تكن هذه المؤسسة هي
الأولى، فقد أسس قبلها رابطة الوحدة الإسلامية في محافظة البصرة عام 2004.
وبعد أن صار تأثير "هيئة العلماء المسلمين" سيئة الصيت عاليا، كان من
الضروري وجود مؤسسة تعبّر عن اتجاه سنّي معتدل، فتصدّى الملاّ وقام بتأسيس
(جماعة علماء العراق)، وكان عنوانها "إنما المؤمنون أخوة"، وسط التكفير
الذي تعجّ به الأوساط السنية.
وانتهج أيضاً في المؤسسة محاولات ومشاريع عديدة لتفكيك فكر الحركات
الإسلامية المتطرفة، ومحاولة مكافحتها، والوقوف ضدّها، في حين صمتت كل
المؤسسات السنية العراقية والعربية عن الحركات المتطرفة، وشارك في مؤتمرات
كثيرة للتقريب بين المذاهب وللوقوف ضد التطرف، في بلدان عديدة مثل سوريا،
الكويت، المملكة العربية السعودية، أيران، أمريكا، لندن، موسكو، مصر،
لبنان، قبرص واندنوسيا.
يدعو الملا إلى التقارب السني – الشيعي، لدرجة أنّ متطرفي السنة يعتبرونه
شيعياً، ويرونه متملقاً، ويحاول أن ينال مناصب ومنافع، لكن وعلى غير العادة،
لم يتولَ الملاّ أي مناصب ذات قيمة ماليّة، لكنه ظلّ متواجداً في الوسط السياسي.
للملاّ علاقات وطيدة مع أطراف شيعية تؤمن بالاعتدال، فضلاً عن أطراف سنية
أخرى، لكن مواجهته الكبرى كانت بعد ظهور تنظيم داعش، حيث وضع الملاّ النقاط
على الحروف بمواضيع كثيرة، على رأسها: صمت الأزهر تجاه اعتداءات داعش،
وتداخل الخطاب التكفيري مع الخطاب الديني.
حصل الملا على جائزة السلام من مجلس اللوردات البريطاني، وهو عضو في مجمع
التقريب العالمي بين المذاهب الاسلامية .
يرى الملاّ أن هناك نسخاً عديدة من داعش ستظهر بعد داعش، لأن التطرف السني لم
يتم علاجه بشكل جيد، ويرى أن التطرف يظهر من علماء السنة الكبار، خصوصاً في
السعودية، مثل الكلباني ومن يشبهه، وبالتالي: إن لم يتم علاج التطرف من
منبعه، لن تتوقف نسخ التنظيمات الإرهابية عن التناسل.
كما يبدو الملاّ منطقياً، حيث رأى ممّن رأوا عدم ضرورة مقاتلة القوات
الأجنبية، وأصدر فتوى بهذا العنوان، لِما يمتلكه هذا العنوان من مطّاطية تسمح
لانتشار الأعمال الإرهابية بحجة المقاومة.
يرى الملاّ أن السنّة في العراق يتبعون عادةً أصحاب المال والسلطة، في حوارٍ
أثار جدلاً كبيراً، وهم ينقلبون على الشرعية في العراق المتمثلة برأس الدولة
العراقيّة، وفق مبدأ "ولي الأمر" القرآنيّ.
كما أنّ واحدة من أهم لحظات التقارب السني – الشيعي كانت بسبب الملاّ، وهي
جملة المرجع الديني الشيعي الأعلى السيد السيستاني "السنة أنفسنا"، قالها
مع الملاّ، ونقلها الملأ، وساهمت بإطفاء حرائق عديدة.
يُعتبر الملاّ من المغضوب عليهم لدى السنّة، لكنه محبوبا لدى الشيعة، فهو لا
ينفكّ عن دعم القوات الأمنية، والوقوف ضد الإرهاب والتطرّف، ووضع الأسماء تحت
مسمياتها، ويرى أن "ما دمّر البلد هو الانقلاب [السني] على الشرعية الفقهية،
ولو التزم السنّة بها لمَا دُمّر العراق لهذه الدرجة".
كما يهوّن الملاّ من التصريحات التي تقول باستهداف السنّة في البصرة، ويراها
اكاذيب، وأن السنة متحررون، ومساجدهم سالمة، ولا أحد يستهدفهم.
قد تبدو هناك ملاحظات على الملاّ، لكنه يكاد يكون الصوت السني الوحيد
المعتدل، الذي يدعو الى الوئام، ويكرر فكرة إن التطرف مُستورد، ومدفوع
الثمن، ومؤسَّس وفق مَن يريدون ممارسة التطرف تجاه العراقيين، في حين تبقى
مدنهم آمنة، وإن كان أمناً جزئياً ومؤقتاً، فلا بد أن يتذوّق طابخ السمّ سمّه،
ولو بعد حين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق