*كأنها نهاية فيلم إيطاليّ كلاسيكيّ، (العرّاب) وهو ينقلب إلى (العرّابة)، أو
غيرها من مطوّلات السينما التي تعالج موضوع الأجيال، وتمتدّ أعمارها أمام
عينيك! *
*لم يكن جلال طالباني سياسياً عادياً، فهو أكثر من ذلك، يعامله الكرد كأب،
وهو مُقرّبٌ من السنة، الشيعة، وبالتأكيد الكرد، وأعظمُ الملفات الخلافية يُمكن
أن يحطمها بنكتة، ويكون هو والد الحل، ما يدفعُ من جديد إلى كونه أباً للكرد،
وأحياناً للسياسيين ككل.*
*ولد طالباني في مدينةٍ أسماها هو (قدس الكرد)، كركوك، وتحديداً في قرية
كلكان التابعة لقضاء كويه قرب بحيرة دوكان، والده هو حسام الدين الطالباني
شيخ الطريقة القادرية في شمال العراق، لكن الأب الأخروي، لم يمنع الابن من
أن يكون سياسياً دنيوياً من طراز رفيع، حيث انضمّ إلى الحزب الديمقراطي
الكردستاني بزعامة الملا البارزاني عام 1947، أي عندما كان عمره 14 عاماً،
وبدأ المسيرة السياسية في بداية الخمسينيات كعضوٍ مؤسس لاتحاد الطلبة في
كردستان داخل الديمقراطي الكردستاني.*
*وشابٌ نشيطٌ مثل جلال ترقى في صفوف الحزب بسرعة البرق، واختير عضواً في
اللجنة المركزية عام 1951، أي بعد 4 سنوات من انضمامه، وكان عمره 18 عاما.*
*ومثل أيّ مواطن عراقي ذلك الوقت، حاول طالباني الالتحاق بكلية الطب، لكن
سلطات العهد الملكي كانت تضع العوائق تجاه الطلبة غير العرب، فالتحق بكلية
الحقوق مطلع الخمسينيات، وتخرج عام 1959، والتحق بالجيش من أجل أداء خدمة
العلم، كما خدم بوصفه مسؤولاً لكتيبة عسكرية مدرعة، لكن عمله الفعليّ ذا
الأثر كان عام 1961.*
*اشترك طالباني في الانتفاضة الكردية ضد حكومة عبد الكريم قاسم، وبعد
انتهائها قاد الوفد الكردي للمحادثات مع رئيس الحكومة الجديد، عبد السلام
عارف، بعد انقلاب شباط الأسود، عام 1963.*
*لكن الطموح لا يتوقف، حيث بدأت الخلافات تكبر بينه وبين "الملا
البارزاني"، فانضمّ عام 1964 إلى مجموعة انشقت عن الحزب الديمقراطي، ليشكّلوا
المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني، الذي كان يتزعمه ابراهيم احمد.*
*وهنا تدخلُ الممثلة الكومبارس، هيرو خان، ابنة ابراهيم أحمد، السياسي
الكردي، والكاتب والروائي والمترجم، وهي من مواليد 1948، وهي خريجة الجامعة
المستنصرية باختصاص علم النفس، وتزوجت طالباني في وقت متأخر نسبياً بالنسبة
لعمريهما: 1977، وأنجبت له ولدين، بافل طالباني، وقباد طالباني (نائب رئيس
مجلس الوزراء في اقليم كردستان).*
*المجموعة التي أسسها ابراهيم احمد، انحلّت عام 1970، بعد أن وقع الحزب
الديمقراطي وحكومة بغداد اتفاق سلام، حمل عنوان (اتفاقية الحكم الذاتي
للأكراد).*
*الحركة الكردية انهارت، بعد أن وقع شاه ايران معاهدة الجزائر، ما أدى لسحب
الشاه لدعم إيران عن حركة الكرد، ما أدى لوقف الصراع المسلح بين الكرد
والحكومي، آنذاك أسس طالباني: حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، عام 1975،
وكان حزباً اشتراكياً.*
*بدأ الحزب حملة عسكرية ضد بغداد، كما توقفت هذه الحملة لفترة قصيرة، حين
أعرب صدام عن رغبته لعرض صلح ومفاوضات، لكنها فشلت، وعاد الصراع، لكن حزب
طالباني انتكس نكسة كبيرة، ما أدى إلى مغادرة طالباني شمال العراق واللجوء
لإيران.*
*تلك النكسة جعلت طالباني يفكر بطريقة مختلفة، حيث تم تمهيد إعلان التحالف
الغربي لتحويل شمال العراق إلى منطقة لحظر الطيران، لتكون ملاذاً آمناً
للكرد، ثم بدأ التقارب بين الاتحاد الوطني الكردستاني، والحزب الديمقراطي
الكردستاني بزعامة مسعود، ثم نُظّمت انتخابات في كردستان، وتشكّلت – عقب فشل
الانتفاضة الشعبانية في الجزء العربي من العراق – إدارة مشتركة للحزبين،
لكن التوتر زاد، ومسعود الابن لا ينسى تخلّي طالباني عن أبيه وشقّ عصا الكرد،
ما أدى لمواجهة عسكرية عام 1996، وبعد جهود أميركية حثيثة وتدخل بريطاني،
ونتيجة اجتماعات عديدة بين وفود من الحزبين وقع البرزاني والطالباني
اتفاقية سلام في واشنطن في سنة 1998م.*
*هدوء مريب امتد بين نهاية التسعينيات حتى عام 2003، لكن سقوط صدّام قرّب
الاصوات الكردية، وكان طالباني واحداً من آباء السياسة الجديدة بعد 2003،
لِما له من علاقات ودية مع السياسيين العرب.*
*وبالتالي، كان طالباني ممثلاً لصوت الكرد، وأباً روحياً، وساعياً للتهدئة،
وكانت هيرو تحمل لقب (السيدة الأولى) فقط، مع تاريخٍ رمزيّ، لكنها كانت تقاتل
الى جانب زوجها، بوصفها عنصر بيشمركة.*
*ويذكر بعض السياسيين، أن طالباني يهابُ هيرو بشكلٍ كبير، ليس احتراماً فحسب،
بل لم يتجاوز أنها ابنة ابراهيم أحمد، يوماً، وبالتالي كان لها أكثر من مجرد
لقب (السيدة الأولى)، فهي، وبسرعة الرصاص نمت داخل الاتحاد الوطني
الكردستاني، وليس هذا فحسب، بل بقيت تزاحم القيادات القديمة والذكور، من
الملا بختيار، وصولاً لبرهم صالح، وكوسرت رسول.*
*كان هذا النمو المفاجئ بين عامي 2007، وهو تاريخ إصابة طالباني بوعكة
صحية، واستمرت صحته بالتراجع، حتى بقي لفترة طويلة نسبياً في ألمانيا
للعلاج، وبذلك الوقت كانت هيروخان هي صاحبة العلاقات السياسية، والنشيطة،
وكأنها تملأ مكان زوجها.*
*لكن السياسيين الكرد، ضاقوا ذرعاً بهم، أما يكفي تهديد مسعود بارزاني
ومحاولته لالتهام كلّ شيء، حتى تخرج لهم هيروخان؟ وبذلك ظهرت بوادر
الانشقاق، حين سعى برهم صالح وكوسرت رسول إلى تشكيل مركز قرار داخل الحزب،
للحدّ من تأثير هيروخان.*
*اليوم طالباني شبه ميت، لا اثر له، سوى ظهوره ببعض صور الزائرين له،
واللاعب الرئيس هو السيدة الأولى التي صارت السيد الأول، السيدة صاحبة
العلاقات الوطيدة مع سياسيين اسرائيليين على رأسهم ليفي، والمرأة التي لا
ينتهي طموحها، حتى صار زوجها مجرد جسد منخور.*

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق