الجمعة، 23 مارس 2018

سعد البزاز
  سعد البزاز.. السائل الذي لا شكل له


"أخطبوط، له يدٌ في كلّ بلد، كائنٌ هلاميّ أكثر خطورة من السيانيد، وأكثر
انتشاراً من الهواء"، هذا ما قاله لي أحدُ الأدباء العراقيين الذين عملوا مع
سعد البزاز لأكثر من عقدٍ من الزمان، البزاز الذي لا يندرجُ تحت صفة معيّنة،
لكنه يندرج تحت كل الصفات.

في 18 من نيسان، ومن بيت موصلّي، ولد سعد البزاز عام 1952، من عائلة غير
بعيدة عن الأدب والصحافة والسياسة، فخاله هو شاذل طاقة (1929-1974)، الشاعر
العراقي، والمدير العام لوكالة الأنباء العراقية، ووزير الإعلام ثم السفير
العراقي في الاتحاد السوفييتي السابق، ثم وزير الخارجية عام 1974، حتى
أغتيل بالسم في المغرب.

من هذا البيت انطلق سعد، باتجاه الحياة العراقية، أصوله الموصلية، وشهرة
خاله، البعثي العقائديّ، جعلته يختصر الطريق بسرعة، فالشاب الذكيّ، يجيد
اقتناص الفرص، والأمرُ لا يعدو كونه ارتداء بذلة زيتونيّة، وشاربين غليظين،
وأسرة حسنة السمعة بعثياً.

جاء البزاز من الموصل وهو لا يحمل سوى الشهادة الثانوية، كان على معرفة
بأحد الرفاق البعثيين المنحدرين من الموصل أيضاً وهو محمد مناف الياسين.

كان الياسين رئيس تحرير مجلة اسمها (العمل الشعبي) فعمل سعد معه في هذه
المجلة محررا متواضعا، لكن حينما أُغلقت انتقل للعمل إلى الإذاعة، وحين أصبح
أرشد توفيق، الروائي البعثيّ الموصلّي أيضاً، مديراً لإذاعة بغداد، عيّنه مذيعاً
فيها، ومنذ ذلك الحين، ونجمه بدأ بالتصاعد حتى عرف سعد الطريق إلى
التلفزيون وقدّم برامج تلفزيونيّة منوّعة، كان أحدها برنامج مسابقات.

يبدو البزاز طيفاً غائماً بالذاكرة، أي بمعنى، حتى أقرب أصدقائه لا يتذكر
تفاصيل حياته، بل أنّ أحدهم قال "إنّ ما تعرفه عن سعد، هو نفسه ما تجهله
عنه"، الأمر الذي يجعل سعداً شخصاً غير قابل للحصر بين قوسين، فهو يتحفظ عن
الإدلاء بمعلومات تخصّ جانبه الشخصيّ، أو الأسريّ، أو مكان منزله، ويكفي أن
تقول له "لقد رأيتُكَ ماراً من الشارع الفلانيّ"، حتى يسيطر عليه الارتباك الذي
قد يصل به إلى تغيير سيارته الشخصية.

بسنّ مبكرة، تسلّق البزّاز السلّم البعثيّ بطريقةٍ صاروخيّة، وتسنّم مناصب لا تُمنح
إلاّ لذوي الانتماء الحزبيّ، والولاء المطلق للنظام الصدّامي، ومن ضمن مهامّه
صار مديرا لـ"الدار الوطنيّة للنشر والتوزيع"، وهي واحدة من أهمّ مرافق تصدير
الفكر البعثيّ، والمسؤولة عن إصدار الصحف وطباعتها، ثمّ مديراً للإذاعة
والتلفزيون، و رئيس تحرير جريدة الجمهورية.

لعب البزاز دوراً مؤثراً في الإعلام العراقي أثناء فترة الحرب العراقيّة
الإيرانيّة، فقد كان واحداً من العقول الخطرة بتسيير ماكنة التعبئة، ورسم
صورة "الجيش المنتصر" و"البلد السعيد" على ملامح العراق، الذي تفوح من جميع
أركانه رائحة البارود وسواد الجنائز.

بعد هذا، وحين حوّل عدي صدام حسين نظره إلى الوسط الصحفيّ، عمل البزاز نائباً
له في نقابة الصحفيين، ويبدو من المنطقيّ الإشارة إلى أنّه لا يرضى بأن يكون
نائباً بعد سلسلة الإدارات التي تسلّمها، لكنّ عدي يبطش، ولا أحد يحميه من
"غضب الأستاذ"، فرضي بهذا الحال.

يحتفظُ الموظفون الذين عملوا مع البزاز، إلى يومنا هذا بصورته وتفاصيل
شخصيته، منها أنّه ذو وجه مبتسم على الدوام، وبشوش جداً، تظهر أسنانه حين
يبتسم رغم شاربيه الكثين، لكنّ هذا الوجه، ينقلبُ بلحظةٍ واحدة إلى وجه غاضب
لا يأمنُ مَن يقابله من البطش، أو الفصل، كما أنّ هؤلاء الموظفين، يشعرُ كلّ
واحد منهم بأنه الأقرب للبزاز، وبأنه الأبعد في ذات الوقت.

البزاز ذو بعد مؤامراتي في إدارة العمل الإعلاميّ، فهو يقول لكلّ موظفيه
المحيطين به "إنك يدي اليمنى"، لكنه في ذات الوقت، يكون قد جهّز بديلاً يملأ
مكان "اليد اليمنى" بأيّة لحظة، كما أنه يصنع مدراءه ويجعلهم ذوي قرارٍ وسلطة
كبيرة، لا تخضع إلاّ له من جهة، ويستخدمهم لخضوع الموظفين الآخرين من جهة أخرى.

كتل ضبابيّة تلفّ بعض سنواته، غير واضحة التفاصيل، إلاّ أن فترة ما بعد 1990،
كانت هي الأكثر نشاطاً لدى سعد، خصوصاً من ناحية التأليف، فقد كتب "حربٌ تلد
أخرى – التاريخ السريّ لحرب الخليج"، و"رماد الحروب – أسرار ما بعد حرب
الخليج"، و"الجنرالات آخر مَن يعلم"، و"الأكراد في المسألة العراقية"، وهذه
الكتب جميعها أصدرها بسنوات متقاربة، بعد أن أصدر في ثمانينيات القرن
الماضي كتابين، أولهما "حكاية الولد والبنت آخر الليل"، وهو مجموعة قصصية،
و"الحرب السرية – خفايا الدور الاسرائيلي في حرب الخليج"، ويبدو أنّ التأليف
هو الجانب المُهمل لدى سعد، والذي يعود إليه بين الحين والآخر، فضلاً عن
دراسته الأكاديمية، حيث تنقل بعض المصادر أنه نال شهادة الماجستير في
العلاقات الدولية من معهد جامعة الدول العربية للبحوث والدراسات، فضلاً عن
حصوله على ماجستير في التاريخ الحديث من كلية القانون والسياسة، وحاضرَ أيضاً
لمدة بسيطة في جامعات العراق، والأردن، والمملكة المتحدة حينما كان مديراً
للمركز الثقافي العراقي في لندن.

في فترة التسعينيات، كانت جريدة الزمان محطة المعارضة العراقيّة وكتّابها،
عمل فيها عدد كبير من الأدباء والصحفيين العراقيين، منهم مَن كان محرراً في
"منشورات البزاز"، وهي دار نشر أظهرت حوالي 20 كتاباً ثم نامت، ربّما لإيمان
البزّاز بعدم فائدتها، وفائدة التأليف أيضاً، فآخر كتاب ألفه كان قبل أكثر من
15 عاماً.

قبل أن يعرف كثير من السياسيين العراقيين الطريق نحو علاقات مع المملكة
العربية السعودية، كان سعد قد سبقهم بأشواط طويلة، تعود إلى أعوام مبكرة من
التسعينيات، حيث كانت علاقته الوطيدة مع خالد التويجري، رئيس الديوان
الملكي السعودي، بوابة إلى دعمٍ لا ينتهي، وسياسات تتقلب مع تغيّر مسار
العِقال السعوديّ.

عام 1995 كان عاماً ذهبيّاً للبزّاز، فقد أقنع الشاعرين العراقيين الكبيرين
محمد مهدي الجواهريّ وعبد الوهاب البياتي بالاشتراك بمهرجان الجنادريّة
السعوديّ، وحالما وصلوا إلى هناك، خرجت صحف النظام في بغداد تندّد بمشاركة
الجواهري والبياتي، وكتب أحد الصحفيين الصغار مطالبة بسحب الجنسية العراقية
من الجواهري والبياتي، والتي لم تُسحب منهما حتى اليوم، فاستثمر البزاز هذه
الخطوة، وخرج بمانشيت عريض على صفحات الزمان، ليدرج اسمه مع الجواهريّ
والبياتي على الصفحة الأولى.

بقي البزاز طوال هذه المدّة، تحت عباءة السعودية، حتى سبب صداعاً للنظام
البعثي في بغداد، وشكّل تحدياً لا بأس به، ولعب على الورقة القطريّة، وظلّت
السعودية والبحرين وقطر محوره المفضّل حتى اليوم.

ثم دخلت الدبابات الأمريكية إلى بغداد، وتطلب المنطق من سعد موقفاً، فقد زال
نظام صدام، هل سيبقى بين عمان ولندن والسعودية؟ أم أنه سيعود إلى العراق؟
لكنّ البزاز الواقف مع الجميع وضدّ الجميع في آن: اختار أن يصبح معارضاً من
جديد، لحكومات أقل سطوة من نظام صدام، وبدعم أقوى، فهو هذه المرّة استثمر
الحروب المذهبيّة المغطاة بين السعودية وجمهورها، وإيران وجمهورها.

عاد البزاز في زيارة خاطفة إلى بغداد عام 2003، أنشأ مكتباً لجريدة الزمان،
لتصدر أيضاً بطبعة بغداديّة فضلاً عن طبعاتها اللندنية والعربيّة، وفي عمّان،
أسّس مشروعه الأخطر: قناة الشرقيّة الفضائية.

لم تكن قناة الشرقية مجرد فضائيّة مثلها مثل الأخريات من القنوات، لكنها
كانت مصدر الحطب الأكبر في زيادة الاشتعال العراقيّ الداخليّ، وهي تقفُ ضدّ
حكومات أياد علاّوي، والجعفري، وحكومتيْ المالكيّ، لكن بنسب متفاوتة، لكنّ أعنف
هجماتها هي تلك التي استهدفتْ دورتيْ حكومة نوري المالكيّ.

ليس مبالغةً إنْ أشرنا إلى أنّ نشرة أخبار واحدة من الشرقيّة، تعادلُ ضرر عبوة
ناسفة في سوق شعبيّ مزدحم، فكان كادرها هو الذي يجلبُ بنزين التصريحات
السياسيّة السنيّة، ليضعها على حطب السياسات الشيعيّة، وكان البزاز في الشرقيّة
هو المُقعّد الأول لجملة "منطقة ذات أغلبية سنيّة" أو "منطقة ذات تواجد شيعيّ".

ظلّ البزّاز وإعلامه فاتحاً ألف عين، وشبكة مراسلين، ومكاتب عديدة، فيما يخصّ
الحرب ضدّ حكومة المالكي، فمقطع فيديو يُظهر جندياً يرقصُ في سيطرة مثلا، يكون
وببساطة ملفاً رئيسياً في نشرات أخبارها، وصورة عن جريحٍ، يمكن أن تظهر خمس
مرات أو أكثر باليوم، يقفُ البزّاز بكلّ ترسانته الإعلامية من محررين ومذيعين
ومذيعات لجعل هذا الملف أو ذاك علكاً مستمراً بأفواه الكاميرات، التي تنقل
حريقها إلى الشارع العراقي، أولاً بأول.

الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل تلاعبت الشرقية بمفردتيْ "استشهاد" و"مقتل"
بطريقة استفزازية، فمن الممكن أن تخرج بخبر عن "استشهاد سعوديّ في
أفغانستان"، لتردفه بـ"انفجار عبوة ناسفة في بغداد يسفر عن مقتل 20 مدنياً"،
وليس هذا فحسب، بل استقطب البزّاز الإعلاميين البعثيين الذين عملوا معه في
الإذاعة والتلفزيون في العراق حين كان مديراً ليعملوا مدراء لمكاتب الشرقية،
ومحاورين تلفزيونيين، ومذيعين.

مع مجيء شهر رمضان يتأكد المشاهد العراقي من أنه سيرى حزمة أعمال درامية
وتلفزيونية ضد الحكومة، استثمر البزاز فيها تدني أجر الفنان العراقي، خصوصاً
حين استقر أغلب الممثلين والكوادر الفنية العراقية في سوريا أيام الاقتتال
الطائفي في 2006 و2007.

عام 2006، رتّب علي الدباغ لقاءً مع البزاز، وتمّ بالفعل في فندق الفور سيزنس
بعمّان، بحضور موفق الربيعي.

اقترح البزّاز آلية جديدة لعمل القناة، وعرض على ممثلي الحكومة العراقية رسم
سياسة أخرى للشرقية بعد عودته إلى بغداد، حتى قال لهم بالحرف الواحد
"تستطيعون اعتبار مكتب الشرقية في بغداد مكتباً تابعاً لرئاسة الوزراء"،
وبنهاية اللقاء، طلب البزاز أن يلتقط صورة جماعية مع الوفد، وقال "هذه
الصورة للتاريخ، أفتخرُ بها أمام أبنائي والأجيال القادمة"، لكنّ البزّاز،
وفور عودة الوفد العراقيّ إلى بغداد، اتصل بالدبّاغ ليقول له "انتظروا مني
قنبلة على الحكومة العراقيّة كل 24 ساعة".

وظلّ البزّاز يرمي بقنابله على العراق وحكومته، بطريقةٍ طائفيّة حيناً، وحزبيّة
أحياناً أخرى، ساعة يقرّب الصدريين فتراهم ضيوفاً دائميين في الزمان والشرقيّة،
وحيناً يقرّب القائمة العراقيّة، لكنّ استهدافه للمالكيّ وحزب الدعوة هو الثابت
الوحيد لديه منذ عدة سنوات.

المحيّر في سعد البزاز، هو أنه ليس بعثياً عقائديّاً، بل أنّ بعثيي الفكر
والعقيدة كانوا يكرهونه، كما يكرهه السياسيون من أصحاب العلاقات الوطيدة مع
السعوديّة، لكنّ الثابت بالأمر، هو أنّ هذه الشخصيّة، بمكرٍ ودهاءٍ غير مسبوق،
استطاعت أن تعيش مع كلّ الأنظمة، وأن تفيد منها، وأن تنقلبَ عليها فيما بعد،
وأن تشكّل ضغطاً كبيراً، دون ثوابت تنطلق منها، فالثابتُ الوحيد لدى سعد
البزاز، هو سعد البزاز!

له حبّ عملاقٌ لذاته، ويستعدّ لبذل كلّ شيءٍ من أجل هدفه، فالبزاز، صاحب الذوق
العالي البرجوازي الباحث عن أغلى وأندر أنواع السيجار الكوبيّ، والويسكي
الانكليزي، من الممكن أن يكون في أية لحظة إسلاميّاً، أو يساريّاً، من الممكن
أن يعود إلى جذوره البعثيّة، أو أن يصبح إنساناً كونيا، ربما يصبح هذه
الشخصيات كلّها في وقت واحد، لكنه بالنهاية كائنٌ سائل، يتخذُ شكل الإناء الذي
يحتويه.

محمود عثمان.. الكرديّ القديم الذي لا يبتسم

محمود عثمان
 محمود عثمان.. الكرديّ القديم الذي لا يبتسم


من سماعات الفحص الطبيّة، إلى مايكروفونات القنوات التلفزيونية، ومن مهنة
الطب، حيث يصفُ الدواء لمرضاه، إلى تصريحاتٍ سياسية تضعُ زملاءه في مواقف
حرجة، ومن ثلج كردستان إلى ضباب لندن إلى سخونة بغداد، بين تناقضات عديدة
في المكان والزمان: هناك محمود عثمان، الطبيب ذو لقب "النائب"، والسياسي
صاحب لقب "الطبيب".
ولد عثمان لعائلة فلاّحية في قضاء بنجوين، من أبٍ شرطيّ يتنقلُ بين المدن، لكنّ
هذا الأب استقر نسبياً في فترة نشوء عثمان الذي أكمل دراسته الأولية في
السليمانية، حيث دخل الولد "الشاطر والذكي"، فيما بعد، كلية الطب ببغداد
نهاية الخمسينيات.
مارس عثمان النشاط السياسي مثل جميع مُجايليه، وكان وجود جلال الطالباني،
الرئيس العراقيّ حالياً، ببغداد قد صار حافزاً له وداعماً بممارسة العمل
السياسيّ، حيث كان طالباني في تلك الفترة حقوقياً ببغداد، وصحفياً من ألمع
صحفييها في تلك الفترة، فضلاً عن اشتراكهما في "الاتحاد الطلابي
الكردستاني"، الذي كان طالباني مسؤوله، وعثمان سكرتير الاتحاد.
ساهم طالباني بحرف مسار حياة عثمان، فحين تخرّج الأخير بكلية الطب، وبوصفه
واحداً من العشرة الأوائل، كانت هناك فرصة لبعثة طبية للولايات المتحدة
الأمريكية، حيث كان من المقرر سفره مع زملائه لإكمال الدراسة في الولايات
المتحدة، لكنّ المام أقنع صاحبه بالبقاء، لأن العمل السياسي في العراق أجدى
من أسرّة المرضى.
لكنّه لم يترك الطب، وافتتح عيادةً صغيرة في السليمانيّة، كان لها يومان في
الأسبوع لعلاج الناس مجّاناً، وهذه الجنبة من شخصية عثمان ظلت تظهر بين الحين
والأخر: الجزء الاشتراكي الذي يظهر في بعض التصريحات، والذي جعله بعد عدد
من السنوات يؤسس "الحركة الاشتراكية الكردستانية" ومن ثم: الحزب الاشتراكي
الكردستاني.
نضج عثمان تدريجياً، وتحوّل من ذلك الشاب الطبيب إلى سياسيّ كرديّ بدأت عضلاته
الفكرية بالنموّ أثناء النقاشات، وليس هذا فحسب: بل كان عثمان طبيب الملاّ
مصطفى البارزاني، ومستشاره الشخصيّ، مترجمه الذي يتقن العربية والتركية
والكردية والفارسية والانكليزية والفرنسية.
ويبدو أن وضوح شخصيته جعله يقع بإشكالاتٍ كبيرة، حين صرّح في وقتٍ حرج بأنه
زار اسرائيل عدة مرات مع الملاّ، حيث رافقه في رحلته الى اسرائيل ومقابلته
رئيس الحكومة الاسرائيلية ليفي إشكول عام 1968 بعد احتلال القدس في السادس
من حزيران عام 1967، فضلاً عن زيارته الى موشي دايان وزير الدفاع الصهيوني
في القدس بعد احتلالها عام 1967، وليس انتهاءً باستقبالهم مائير عميت رئيس
الموساد في شمال العراق عام 1969 عندما كان برزاني الأب يفاوض حكومة أحمد
حسن البكر التي أعطته الحكم الذاتي، كما استقبل كل الوفود الاسرائيلية
الأمنية والطبية القادمة الى شمال العراق.
كان حضور عثمان داخل قضية "الحكم الذاتي" فعالاً، حيث كان يرأس الوفد الكردي
المفاوض مع حكومة البكر، وكان حضوره سبباً رئيسياً بعقد اتفاقية آذار عام
1970، والتي أعطت الكرد الحكم الذاتي وإن كان بشكلٍ جزئيّ، وإلى الآن تحتفظُ
الذاكرة العراقية بصورة فوتوغرافية شهيرة: يظهر فيها البكر وصدام ومسعود
البارزاني وعزة الدوري، بينما يقفُ على طرفها الأيسر: محمود عثمان، دون أن
يبتسم.
أعلنت نتائج الاتفاق في التلفزيون، وقرأ عثمان كلمة الوفد الكرديّ، دون أن
يبتسم أيضاً.
بعد ذلك، تعقدت الأمور بين كردستان والنظام، كان عثمان بوجه المدفع، بوصفه
رئيساً لأغلب الوفود السياسية الممثلة للأكراد، وحين حاول السياسيون الكرد
أن يستعينوا بشاه إيران، كان عثمان أوّل مَن عرف صدمة تخلّي إيران عن أكراد
العراق، حيث التقى عثمان ووفدٌ كرديّ الشاه بعد اتفاقية الجزائر عام 1975،
يتحدث عثمان عن هذا اللقاء بمقابلة تلفزيونية، ويقول إن "الشاه استقبلنا
بأسلوب مختلف، وحدثنا بلغة مختلفة تماما عن لغته الناعمة التي كان يخطابنا
بها!، حيث قال: وقعنا اتفاقية مع صدام حققت لإيران حلما كانت تنتظره زمنا
طويلا".
ببساطة تامة، جوبه الوفد الكرديّ برئاسة عثمان بجملة الشاه الجارحة: "بعد
الآن لا دعم لكم.. انتهت اللعبة!"، ووضع الشاه القيادة الكردية أمام ثلاثة
خيارات :إمّا إلقاء السلاح وتسليم الرقاب الى الحكومة البعثية، أو الاستمرار
في القتال بما في ايديكم من غير دعم ايراني، أو اللجوء الى ايران وأسقط
بأيدي القادة الكرد، وأصبحوا أسرى الحيرة والدهشة والمحنة معا.
بعد هذا، توجه عثمان إلى الجبل، وبقي هناك مع الأحزاب الكردية، لتمرّ فترة
سبات كبيرة غطت النشاط الكرديّ كله، ولم يكن من حدث مميز مر به عثمان في
سنوات الثمانينيات غير محاولة اغتيال بالثاليوم، نجا بأعجوبة منها.
عام 1991، كان عثمان أحد المرشحين الأربعة لرئاسة إقليم كردستان، لكنّه لم
يحز أصواتاً تؤهله لهذا المنصب في الانتخابات التي كُشف عن تزويرها بعد أكثر
من عشر سنوات، اعتزل عثمان الحياة السياسية لفترة من الزمن، وعاد بعدها،
ليكون ضمن "الجبهة الكردستانية العراقية" التي تضم سبعة أحزاب، حيث كان
مسؤول العلاقات الخارجية للجبهة، نظراً لاتقانه عدداً من اللغات، واحتفاظه
بالعلاقات الدبلوماسية التي كوّنها منذ أيام الملاّ البارزاني.
شارك عثمان بعدد من المؤتمرات المنعقدة والتي تخصّ المعارضة العراقية بشكل
عام، والقضية الكردية بشكلٍ خاص، فاشترك بمؤتمر لندن الشهير، ومؤتمر بيروت،
وبعد أن ضرب النظام البعثيّ القرى الكردية في حملة الأنفال، زار عثمان
الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من مرتين لتبيان ما حدث من جرائم ضد
الإنسانية في كردستان، لكنّه لم يحظ بمقابلة أي مسؤول، بسبب عدم رغبة
الولايات المتحدة بتخريب علاقاتها مع صدام في تلك الفترة.
وهكذا بقي عثمان واحداً من وجوه القضية الكردية، هو الثابت الذي لا يتغير،
فحين يكون بارزاني الطرف القويّ، لا ينسى مسعود أصدقاء أبيه والقريبين منه،
وحين يكون طالباني الطرف المؤثر، لا ينسى صديق جامعته ونموّه السياسيّ،
وعثمان أيضاً حافظ على هذه العلاقة بين الاثنين، الوقوف بمسافة واحدة،
والسعي لإزالة الخلافات المستمرة بين ديكة كردستان، ومحاولة تحقيق الحلم
الكردستاني الكبير.
جاء عام 2003، وذهب صدام، وسقط تمثاله في ساحة الفردوس، فكان عثمان موجوداً
في بغداد، تكريماً من قبل القيادات الكردية لجهوده المستمرة طوال أكثر من
نصف قرن، فكان عضواً في مجلس الحكم رغم عدم وجود أي قاعدة جماهيرية له،
واستمر عثمان بتواجد نيابيّ مميز، صراحة تكون جارحة أحياناً، ومنطقية في
أحايين أخرى، لكنه بذات الوقت: يحتفظ بمنسوب حكمةٍ عالٍ أثناء التعامل مع
الأزمات، وكان مع زميله فؤاد معصوم مراكز لحل الإشكالات في مجلس النواب، ما
دامت هذه الإشكالات بعيدة عن القضية الكردية!
السياسي الكردي ذو النزعة الاشتراكية الواضحة، يبدو – ومن قلة السياسيين
الأكراد – بعيداً عن الولايات المتحدة ومستمراً بالوقوف ضدها، نظراً لأن تخلّي
الولايات المتحدة عن الأكراد كان موجعاً ولأكثر من مرة، فالأولى كانت ممثلة
بصدمة شاه ايران المدعوم من الولايات المتحدة للوفد الكردي، وسكوت الولايات
المتحدة أثناء عمليات الأنفال.
ويختلف عثمان عن باقي الشخصيات الكردية التي تتخذ من العاصمة بغداد ساحة
لعملها، فهو من فرط صراحته العفوية، ينتقد أيضا حتى زميل دربه الرئيس
العراقي جلال طالباني، حيث قال في احدى المرات ان الأخير موقفه غير حاسم
ويجامل أطراف الازمة رغم انه حامي الدستور في العراق.
وليس هذا فحسب، فحتى عندما يتحدث عثمان عن أداء مجلس النواب يصفه بعين
"المراقب" من الداخل، وليس بعين عضو البرلمان، فهو دائم الانتقاد لهذا
المجلس حتى انه وصفه في احدى تصريحاته بأنه "شيء زائد واكذوبة في العراق".
وقال أيضا، ضمن تصريحاته الكثيرة والمستمرة ان "وجود البرلمان وعدم وجوده
هو شيء واحد لأن النواب خاضعون لقرارات اجتماعات رؤساء الكتل".
ومن فرط صراحته أيضا انه لا يدعي، كما بعض النواب الاخرين، علمه بما يجري
بين قادة الكتل ، فعندما يسأل عن نتيجة مباحثات المالكي وبارزاني مثلا يجيب
بصراحة "والله احنا ما نعرف ما طبيعة المحادثات التي كانت قد جرت بين نوري
المالكي ومسعود بارزاني"، ويضيف "احنا دائما هكذا سواء كنا سياسيين أو
مواطنين اعتياديين لا نعرف أي شيء عن الاتفاقيات أو المحادثات أو النتائج".
ورغم ان دورة البرلمان والحكومة توشكان على الانتهاء لكن محمود عثمان ما
انفك يطالب بكشف تفاصيل اتفاق أربيل الذي تشكلت على ضوئه الحكومة.
محمود عثمان حضر 223 جلسة في دورة البرلمان الحالية ولم يتغيب سوى اربع
مرات، رغم انه من بين اربع نواب تجاوزت أعمارهم السبعين عاما.
الصحفيون في العراق "يحبون" النائب والسياسي محمود عثمان لانه لا يتردد
ابدا في قبول أي لقاء او الإجابة عن أي سؤال مهما كان السؤال "حساسا"
والكثير من الأسئلة "حساسة " لاعضاء التحالف الكردستاني.
وهكذا، نرى عثمان طبيباً صار سياسياً، يتحدث عن نفسه بالقول "لم أقع بالغرام
طوال حياتي لانشغالي بالسياسة"، لكنه متزوج، وله أولاد وبنات، و11 حفيداً
وحفيدة، ويعلق ضاحكا "باستطاعتي تأسيس حزب من أسرتي فحسب!".
ينتمي عثمان إلى جيل من السياسيين المُعتّقين، الممتزجين مع تاريخ القضية
الكردية، كبروا معها، وكبرت معهم، لكنّ عثمان بذات الوقت، يحضر باستمرار إلى
مجلس النوّاب مع سياسيين ونواب أكراد شباب، بينما أصدقاؤه الشيوخ قد رحل
بعضهم، ومرض البعض الآخر، وابتعد نزر منهم عن السياسة، لكنّ عثمان يستيقظ
صباح كلّ يوم، ويرتدي بذلته، ويتحضر للإدلاء بكثير من التصريحات وبنشاط
ملحوظ، ودون أن يبتسم أيضا!

علي الشلاه.. الزيتوني تحت البذلة السويسرية

علي الشلاه

    علي الشلاه.. الزيتوني تحت البذلة السويسرية


من منصة الشعر، حتى منصة البرلمان، ومن دراسات نقديّة عن نصوصه الشعريّة، حتى
تصاريح نوّاب تشتمه، وتنتقده بأكثر الألفاظ حدّة، يتحوّل علي الشلاه من
البلاغة الشِعرية، حتّى أقلّ المناكفات السياسيّة قدراً، في تحوّلات تضمّها شخصيّته
التي تملكُ من الحِدّية الشيء الكثير، والمراوغة في أحايين عديدة.
ولد علي الشلاه في المدينة المتكوّرة على شطّها، الحلّة، عام 1965، من أسرة
معروفة، حيث كتب عن والده في موقعه الشخصيّ على شبكة الإنترنيت بأنه كان
"أحد ثقاة الصدر الأول"، ويعني مؤسس حزب الدعوة السيد محمّد باقر الصدر.
لكنّ الحلة، الصغيرة والبعيدة عن المركز كانت لا تلبّي طموح الشلاه، ولأنّ جيل
مواليد الستينيات العراقيّ كان أكثر الأجيال تعرّضاً لأن يكون حطباً في الحرب
العراقيّة الإيرانيّة، ترك الشلاه الحلة وأهلها وقدم إلى بغداد بداية
ثمانينيات القرن الماضي، واستمرّ بدراسته الأكاديمية ببغداد، لينال
بكالوريوس في قسم الآداب بجامعة بغداد، وبتخصّص اللغة العربيّة.
لم يمض كثير من الوقت، حتى صار الشلاه جزءاً من موجةٍ شعريّة حملت – فيما بعد
– عنوان "جيل الثمانينيات"، وبشكلٍ عام: انقسم هذا الجيل بين التعبويّة للحرب
وصدّام، أو الكتابة بشكلٍ رمزيّ مغلق هرباً من النظام وجواسيسه، ولم يكن الشلاه
من الجماعة الأولى أو الجماعة الثانية، فقد كان وجوده هامشياً، إداريّاً أكثر
منه نصيّاً، فأول مجموعة شعرية نشرها كانت بعد عامين من انقضاء عقد الثمانينيات.
يجيد الشلاه لعب دور الرجل الثاني الذي يقف في الخلف وليس في الامام، وهذا
ما يفعله اليوم في المؤتمرات الصحفية كما كان يسير خلف لؤي حقي بحسب ما
يروي مجايلوه، حيث كان الشلاه أقربهم له حين كان الأول رئيساً ومسؤولاً عن
"منتدى الأدباء الشباب"، كان ظلاً له، ملازماً إيّاه أينما ذهب، وقال بعضهم إنّ
الشلاه كان أشبه بسائقه الشخصيّ، أو سكرتيره.
حُبس لؤي حقّي، اغتنم الشلاه الفرصة، فأعلن نفسه مديراً للمنتدى، وليس هذا
فحسب، بل أنّه وضع اسمه رئيساً لتحرير مجلّة أسفار، وحذف اسم لؤي منها، لأنّه
ظنّ بأنّ لؤي حقّي دخل طوامير السجون، وصار من "المغضوب عليهم" ولن يعرف طريق
الخروج.
ومن سوء حظّ الشلاه أنّ لؤي خرج من السجن، فتوجّه الأخير إلى المنتدى الذي كان
في منطقة راغبة خاتون الراقية ببغداد، وأمسك بعلي الشلاه، وضربه ضرباً شديداً
حتى أدماه، وكسر سنّاً من أسنانه الأماميّة، واختلفت الروايات بتفاصيل الأمر:
كارهو الشلاه يقولون إنّ لؤي حقي ضربه بحذائه، وأنّ الندبة في جبهة الشلاه –
حتى يومنا هذا – بسبب هذه الضربة، أمّا أصدقاؤه فيقولون إنّ لؤي حقّي حطّم
الكرسيّ برأس الشلاه، بينما يقول هو في حوار تلفزيوني إنّ لؤي ضربه بإخمص
المسدّس، وأنّ الندبة هي وحمة منذ الولادة، لكنّ أصدقاءه لم يذكروا انهم
شاهدوها قبل الحادثة مع حقي.
بعد هذا، لم يعد العراق آمنا لعلي الشلاه، الذي لم يكن بعثياً كبيراً، كان
يحمل درجة "نصير"، وهي درجة ثانية تنفع في قبولات الجامعة أو تمشية الأمور
العامة، فغادرَ إلى عمّان عام 1991، بعد الانتفاضة الشعبانية ضدّ النظام، وحين
وصل العاصمة الأردنية: بدأتْ مرحلةٌ جديدة من حياة الرجل، فمن ظلٍ للؤي حقّي،
صار ظلاً أيضاً لشخصيّة لا تقلّ عن الأولى خطورةً وشبكة علاقات، كانت قاعدته
الجديدة الشاعر عبد الوهاب البياتي.
والبياتي، كان شخصيةً ذات نفوذ، لكنها مقتصرة التأثير على عالم الأدب
والأوساط الثقافيّة، كان يصنعُ من الفردِ شاعراً مميزاً، أو كان يجعلُ الشاعر
المميز أضحوكةً في حال عدم رضاه، وكلّ هذا بسبب شبكة علاقاته المرتبطة
بناشرين، ونقّاد، وسياسيين، وما سواهم.
تلقّفه البياتي، وعاش علي الشلاه في غاليري الفينيق وأداره، والذي كان ملتقى
للفنانين والأدباء العراقيين، كان المكان غامض الملامح، يزوره أدباء بعثيون
ومعارضون بذات الوقت، شعراء فلسطينيون وسعوديون أيضاً، ولم يكن المكانُ بعيداً
عن المخابرات الأردنية، كما كلّ شبر في هذه البلاد.
في ذلك الوقت، بدأ علي الشلاه بالعمل على جانبين أهملهما في العراق: الجانب
الأكاديميّ، والشعري، فنال شهادة الماجستير عن أطروحته "كربلاء في الشعر
العربيّ الحديث" من جامعة اليرموك، ثمّ طبع دواوينه الشعريّة "ليت المعري كان
أعمى، التوقيعات، شرائع معلقة، العباءات والأضرحة، كتاب الشين".
بعد أن هدر الكثير من الوقت في عمان، يبدو أنّ الشلاه استثمر تواجده في
سويسرا، بلد الساعات الدقيقة، التي وجد طريقه لها حتى كاد أن يكون الشاعر
العراقيّ الوحيد المقيم هناك، حيث دارت أحاديثُ عديدة عن زواجه بامرأةٍ
سويسريّة فور وصوله، وبعد ذلك استمرّ بدراسته فنال شهادة الدكتوراه من جامعة
بيرن عن "القصيدة النسوية العربية الحديثة"، وأسس أسوةً بغاليري الفينيق
"المركز الثقافي العربي السويسري".
ويبدو أيضاً أنّ الشلاه أصابته حمّى كلمة "مدير"، وكأن شخصيّة لؤي حقي، الذي
أدار أكثر من 20 مؤسسة وتجمعاً في العراق، أثرتْ به لدرجة كبيرة، فعاد الشلاه
وأسّس غاليري الأرض، ثمّ مؤسسة بلاد النهرين الثقافية، ودار بابل للثقافات في
الحلة، فضلاً عن "منشورات بابل"، وصحيفة "بابل الجديدة" الألكترونية، وليس
انتهاءً بمهرجان المتنبي العالميّ السنويّ، الذي يشترك فيه أدباء من جميع
أنحاء العالم، والمستمر منذ 13 عاماً.
عاد إلى بغداد عام 2003، حاول بدايةً أن يعيد نشاطه الثقافيّ المحلّي، لكن
الثقافة على مرّ تاريخ العراق، لم تطعم مثقفيها من جوع، ولم تمنع عنهم خوفاً
ما، فقضى السنوات بين (2003-2009) مستقراً بسويسرا، لكنه عاد ليتسنم منصب
عضو في هيئة أمناء شبكة الإعلام العراقيّ، بمرتبٍ جيّد، وشقةٍ سكن فيها، وعمل
لا يكاد يُذكر، وحين جاء عام 2010، دخل الانتخابات التشريعية مع ائتلاف دولة
القانون، واستثمر سمعة أسرته في محافظة بابل ومدينة الحلّة، وصار نائباً عن
المحافظة، وبالمركز الثالث عنها.
تدرّج الشلاه، صار رئيساً للجنة الثقافة والإعلام في مجلس النوّاب، والمصدّ
لهجمات الكتل الأخرى، وبشكلٍ عام، لم يفعل الشلاه شيئاً للواقع الثقافيّ الذي
دائماً ما استمر بالنكوص إلى الوراء سوى تصريحات صحفية عن النشيد الوطنيّ،
وتصميم العلم العراقي الجديد، بينما بقيت وزارة الثقافة، ودار الشؤون
الثقافية، واتحاد الأدباء والكتاب، فضلاً عن دائرة السينما والمسرح،
والمؤسسات الثقافية الأخرى بعيدة عنه وعن لجنته المشلولة.
يوقع الشلاه نفسه في مواقف بالغة الحرج ويدخل مواجهات يخرج منها خاسرا اغلب
الأحيان، ففي لقاء تلفزيوني، اثار غضب المتابعين والمدونين فيما بعد، تحدث
الشلاه عن عبث ابنه بهاتف والدته (العراقية وليست السويسرية) الامر الذي
جعل فاتورة الهاتف ترتفع الى 4 ملايين دينار عراقي !
كاتب عراقي، ينتقد سلوكية الشلاه الدعائية، مشيراً في حديثه الى انه لمح
"فيلاً" يطير بين ثنايا كلام النائب عن فاتورة الهاتف، و"الفيل" في العامّية
العراقية تعبير عن التضخيم والتهويل . وفي عملية حسابية بسيطة، اكتشف
الكاتب، ان هكذا مبلغ يحتاج ممن يريد ان ينفقه أن "يلعب" بالهاتف 24 ساعة
ولا يتأتّى ذلك أيضا الاّ لمن أحترف تقنيات رقمية في التحميل والتنزيل، وأدمن
العلاقات والاتصالات. فهل يعقل ان طفلاً بعمر اربع سنوات يستخدم التلفون
والنت بطريقة احترافية تحتاج منه وقتا طويلا ، تجعله لا ينام في الليل
مثلما النهار!.
ولم تهدأ هذه الموجة التي اغتنمها أعداء الشلاه إلاّ بظهور أزمة أخرى، وهي
صورة قديمة للشلاه وهو يرتدي الزيّ العسكري الزيتوني بأحد مهرجانات بغداد
الشعريّة، رغم أن الوسط الأدبيّ بالأقل يعرفُ أنّ الشلاه كان يرتديه بشكلٍ دائم
بسنوات الثمانينيات، ويذهب بعضهم إلى القول إلى أبعد من هذا، فيقولون: كان
يرتدي الزيتوني حتى عام مغادرته العراق.
لكن كاتباً آخر يرجع ارتداء الشلاه لـ"الزيتوني" الى انه كان صحافياً في
دائرة التوجيه السياسي حين التحق أولا بـ"قسم التصحيح" لينتقل بعد ذلك الى
"القسم الثقافي" في الدائرة، حيث كانت الدائرة يومها "مخبئاً" للصحفيين
الهاربين من جبهات القتال، فكان لابد أن يحافظوا على وجودهم فيها بالمداومة
على لبس البدلة العسكرية "الزيتوني".

وتهدأ الموجة الثانية، لكنَّ مصوراً مشاكساً من القنوات الفضائية في مجلس
النواب، ينقلُ من كواليس المجلس، يكشف أسرار الملاسنة الشهيرة بين الشلاه و
رئيس كتلة الأحرار النيابية بهاء الأعرجي، حين هاجم الأخير الشلاه فظلت
جملة "اطلعْ بره أدبسز" التي ختم بها الاعرجي صراخه بوجه الشلاه، عالقة في
اذهان الجمهور، حين لم يحسب الأعرجيّ بهاء فيها لابن عمّه علي فاضل الشلاه
الأعرجي، حساباً ، او تقديراً.

يحبّ الشلاه أن يفتخرَ دوماً بتاريخه، الذي يراهُ أبيضَ تماماً، بينما يراهُ
أصدقاؤه رمادياً، أمّا أعداؤه: فلا يرون منه سوى السواد، وحملت رسالته
للماجستير، التي طبعها بـ"منشورات بابل" التي يديرها، ملحقاً بالوثائق التي
تثبت أنه كان مُطارداً من قبل جهاز المخابرات العراقية، لكنه ربما نسي – حين
وضع الوثائق – أنّ تاريخ إصدارها هو 7/4/1995، وهو "عيد تأسيس حزب البعث
العربي الاشتراكي"، وليس هذا فحسب: بل كان اليوم المذكور يصادف يوم
"الجمعة"، ولا تنتهي الثغرات عند هذا، فالكتاب دون عنوان، ودون جهة إرسال!،
وبخطّ اليد.

تاريخٌ متداخلٌ ببعضه، ابن الحلّة القادم إلى العاصمة، الشاعرُ الذي يقبل أن
يكون ظلاً لشاعرٍ آخر ، المعارض الذي يحتفظُ بصداقاته مع البعثيين، اللاجئ
الحاصل على الدكتوراه، ومدير فعاليات ثقافية كبيرة دون تمويل واضح، ثمّ
النائب الذي توجّه له الإهانة ولا يردّها، تاريخٌ مثل هذا يشتركُ أيضاً مع تاريخ
العراق المستمرّ بإرباك الآخرين، لكن في كلّ الأحوال: لا نعرفُ إن كانت هذه
سيرة شاعر كسبته السياسة، أم سياسيّ لم يفلح بالشعر؟ سؤال نترك إجابته لكم..

نيجرفان .. "دون جوان" سياسي

نيجرفان بارازاني

    نيجرفان .. "دون جوان" سياسي


 على عكس اغلب البارزانيين ، يحرص نيجرفان بارزاني على الزي الغربي، بدلاً
من الجلباب الكردي ، فكأنه يمارس السياسة ، بهندامه لا بأفعاله.
وعلى عكس اغلب البارزانيين القصار القامة، يبدو نيجرفان بارزاني فخورا
بقامته الممشوقة وهو يستعرض امام الكاميرات، هيئته "الطاووسية" ، اثناء
فعالياته السياسية والاجتماعية ، وفي حياته الخاصة.
وربما فعل الزعيم الكردي الشاب ،ذلك ، بدافع الشعور بالنقص من كاريزما
يفتقدها ، اذا ما قورن بالمكانة السياسية والعائلية التي يتمتع بها مسعود
بارزاني .
لكنه، وباعتباره حفيد مؤسس الحزب الديمقراطي الكردستاني مصطفى البارزاني،
يتحسس ، في نفسه مخاض ولادته كزعيم ، يعزّزها معنى معكوساً لعبارة "ان الفتى
من قال كان ابي" ، لاسيما وانه ابن الراحل إدريس بارزاني.
وبين أمجاد الحسب، ومآثر النسب ، يلمّع نيجرفان صورته كمناضل رافَقَ الآباء
والأجداد في ملاقاتهم الأهوال، وتحدّي الموت، ، وهو يقارع الانظمة السياسية
في بغداد، لاسيما في عهد الدكتاتور الراحل صدام حسين، فيذكّر الاعلام الكردي
على الدوام، بالثمن الباهظ الذي دفعه نيجرفان ، حين غيّب نظام صدام حسين
والده، وقرابة الثمانية آلاف شخصاً من أفراده عائلته العام 1983، ودُمّرت
قريتهم "بارزان" ست عشرة مرّة.
غير انه مثل كل ابناء عشيرته، يرى ان الله حباه بما لم يمنح غيره ، وهو
انتماءه الى هذه العائلة الكردية الشهيرة ، ذلك ان مجرد الانتماء اليها يعد
مفخرة وتميّزاَ ، بل وتمايزاّ ، من وجهة نظر القبليين الكرد ، يحسده عليها
الكثير .
يروي كردي ، ان نيجرفان يعرف قدره بين زعماء مخضرمين من ال بارزان ومن
غيرهم ، ساعيا الى تأكيد ذاته عبر أجندة خاصة ، وعامة متعددة ، لكنها
تقليدية ، خلت من
الانجاز المتميز ، والبصمة الخاصة ، ما جعله سياسياً عادياً يجتر سلوكياته ،
بحثاً عن نجومية لم تسعفه بأضوائها.
وإذ ترسم أدبيّات الحزب الديمقراطي الكردستاني، صورة مسعود بارزاني في هيئة
الرجل المخلّص، والبطل القومي ، يظهر نيجرفان مثل ظل تابع ، ينحسر خلف اشعاع
والد زوجته ، فتنتظم خيوط سيرته في نسيج عادي ، فهو مثل سيرة اغلب الزعماء
البارزانيين ولد في قرية بارزان ، العام 1966 ليهاجر الى إيران مع عائلته
العام 1975 بسبب سياسات نظام صدام القمعي.
وفيما درس العلوم السياسية في جامعة طهران، أصبح ناشطاً في صفوف الحركة
التحررية الكردية، ثم نال شرف عضوية المكتب السياسي للحزب الديمقراطي
الكردستاني في المؤتمر العاشر للحزب العام 1989 ، وتدرج في المناصب حتى عين
العام 1996 نائباَ لرئيس الوزراء في حكومة إقليم كردستان. و في آذار العام
2006 انتخب كأول رئيس وزراء في حكومة إقليم كردستان الموحدة.
ما يثير، ان كاتب سيرته الشخصية في موسوعة "ويكيبيديا" ، التي تسمح للشخص
بسرد سيرته وفق رؤيته أو رؤية اصدقائه أو اعدائه ، نسب الى نيجرفان انجازات
من مثل "تحت قيادته أصبحت حكومة الإقليم حكومة علمانية ديمقراطية تعددية".
وفي ذات الموسوعة ، نقرأ ما دوّنه كاتب من مديح مكشوف "الشعوب تُذكر بأفعال
قادتها وبمشاهيرها وشجعانها وأبطالها، وهذا هو بطلنا وقائدنا ، ينطبق عليه
المثل الذي يقول ان هذا الشبل من ذاك الاسد".
وفي عبارة ، تصنّعت المجد لنيجرفان ، ورد في الموسوعة أيضا ، أن الزعيم
الشاب "قاد حكومة تنمية واسعة النطاق تنفذ برامج وخدمات عامة من شأنها
تحسين حياة الشعب ،بالإضافة إلى تحرير النظم السياسية والاقتصادية للإقليم".
و نيجيرفان ، المتزوج من ابنة عمه مسعود ولديه ثلاث أطفال ، هم إدريس و
جيافان و رانيا ، بدى في حياته العائلية ، أباً مثالياً وعصرياً، فعلى رغم
حرصه على التكتم على الحياة الشخصية لأفراد العائلة التي تخضع لاعتبارات
عشائرية، الا انه ظهر على عكس عادة زعماء الكرد مع زوجته في المحافل
السياسية والاجتماعية عدة مرات ، مثلما اشتهرت له صورة مع زوجته وهما
يدليان بأصواتهما الانتخابية .
غير ان ذلك لم يمنع من ترشَح الاشاعات والحكايات التي تختلط فيها الحقائق
بالأوهام، في ظل تأكيدات خصوم على صحتها، ومناصرين على نفيها، باعتبارها
قصص "باطلة" من وحي الكراهية للزعيم الشاب.
لكن تصريحات الزعيم الوسيم لصحيفة "الشرق الاوسط" ، العام 2008 أثارت
الكثير من التكهنات والسخرية التي اظهرته مثل " دون جوان" عاطفي كردي ،
بعدما رسم له اتباعه صورة "المحبوب" السياسي .
ففي حواره مع الصحيفة ، قال نيجيرفان بأنه "يسمع ويتلقى عبارات غزل من نساء
مختلفات، عراقيات وعربيات وكورديات ، وغيرهن، ولكن بشكل غير مباشر".
وعلى رغم انها جرأة كبيرة ، الا ان مراقبين اعتبروها "فجاجة" ، من قبل زعيم
يقود شعباً محافظاً ، متديناً ، اضافة الى كونه اسير حياة مقفلة، لا تتحمل
الفضائح وتجاوز القيم والتقاليد.
الى ذاك ، يحرص انصار نيجرفان و"محبوه" على اظهار ثقافته و"موسوعية" أفكاره
بإبراز دراسته علوم السياسة لسنوات في طهران ، ونيله شهادة الدكتوراه من
أحد الجامعات الأمريكية، وحبه الجم للمطالعة ، والشعر الكردي والفارسي ،
مثلما حرص على نشر مقالات ومواضيع سياسية عديدة في الجرائد والمجلات
الكردستانية والأجنبية لاسيما في جريدة نيويورك "تايمز" الأمريكية ، يكتبها
له مستشارون ثقافيون وسياسيون، بعد أن يُملي عليهم أفكاره، لضيق وقته،
وازدحام جدوله، ناهيك عن كونه هاوِ للرياضة ومُمارسها مثل ركوب الخيل ، وكرة
المضرب، ومتّقن الكردية والفارسية العربية والإنكليزية ، لتكتمل صورة الزعيم
الكردي "المثالي"، المستوف لشروط الزعامة، والمُمسِك بالزِّمام.
على ان الكاتب هوشنك بروكا يعلّق ، في مقال له منشور على النت ، على ظاهرة
الزعيم بالقول انه " لأمر جميلٌ أن يكسر نيجرفان الصورة النمطية الواحدية
للسياسي، كردياً، والتي سُبغت بهالة من القداسة والمثالية المفرطة، لفتح
الطريق أما صورة أكثر واقعيةً، أقرب إلى الحقيقة، عصرية، جديدة، لسياسي جديد
يمشي على الأرض، بدلاً من الصعود الزائف إلى سماءٍ زائفة" .
و نيجرفان ، الى جانب بعض افراد العائلة البارزانية ، لاحقته الحكايات
المزعومة والحقيقية عن الغنى الفاحش كإحدى الوسائل التي تسعى الى سبْر غور
شخصّية الرجل الذي يحرص أشد الحرص على صورة الكردي المتزمّت في التمسك بعادات
وتقاليد شعبه وأسرته، لاسيما تقاليدها العشائرية والاجتماعية التي صاغتها
اصوله القروية، ما يعكس التمسك بالإرث الأسري التاريخي لعائلة أريد لها ان
تمثّل "اسوة" سياسية وقبلية لقطاع واسع من الكرد.
ولعل المزاعم والقصص ادركت حساسية ذلك بالنسبة لآل لبارزان فشرعت في سرد
ترف عائلته، الذي يُقارن بين ثراء فاحش للطبقة الحاكمة الكردية، وبين الفقر
الذي تعاني منه نسبة من ابناء الشعب الكردي.
وابرز الحكايات في هذا الصدد، ما نشره موقع "هاولاتي" باللغة الكردية ، عن
شراء نيجرفان قصراً بعشرات الملايين من الدولارت في الولايات المتحدة ، في
ظل غياب الشفافية في تقصي اخبار ثروات النخب الكردية الحاكمة.
ولم يكن نيجرفان بمنأى عن الفضيحة التي لحقت بعمه ، مسعود العام 2008 عن
امتلاكه لـنحو 2 مليار دولار بحسب الباحث الامريكي بروفيسور مايكل روبين
الذي درس في جامعة السليمانية قبل اجتياح العراق ، ثم عمل مستشارا كبيرا
لبريمر.
غير ان العام 2013، شهد حادثة ذات اهمية بالنسبة لنيجرفان وتتعلق بابنة عمه
مسعود حيث اختلطت الفضيحة الشخصية، بوضع الديمقراطية في الإقليم، بعدما عُثِر
على جثة الصحافي سردشت عثمان، في ضواحي مدينة الموصل ، كتب مقالاً يتحدث عن
"عشقه" لابنة مسعود بارزاني.
فعلى رغم ان الموضوع يتعلق بصحافي، يسعى الى حرية التعبير عن الرأي، إلا ان
كتابته مقالاً تناول فيه ابنة بارزاني ، جعل للقصة أبعاداً شخصية وعشائرية.
وإذ كتب عثمان (23 عاماً) مقالات انتقد فيها المحسوبية والفساد الإداري بين
المسؤولين الحكوميين، الا ان كتابته مقالاً، "أنا أعشق بنت مسعود بارزاني"،
جعلته متجاوزاً لخطوط السياسة واللياقة الحمراء المعتمدة في كردستان.
والمقال يروي صورة ساخرة لحلم راود الكاتب في الزواج من ابنة رئيس الإقليم
ليتحول من رجل فقير الى مترف.
وكتب عثمان "عندما أصبح صهراً للبارزاني سيكون شهر عسلنا في باريس، ونزور
قصر عمّنا لبضعة أيام في أمريكا. سأنقل بيتي من حينا الفقير في مدينة اربيل
الى مصيف سري رش، حيث تحرسني ليلاً كلاب أمريكا البوليسية وحراس إسرائيليون".
لكن زمن الحكم والسلطة غير زمن "النضال"، وهو ما ينطبق على الكثير من
البارزانيين ، وكان ضريبة "بحبوحة" السلطة وترفها، الكثير من الحكايات
والقصص، التي مهما اختُلِف على مصداقيتها، الا انها تكشف عن جانب من الحياة
الاخرى التي يعيشها الزعيم حين يجلس على كرسي الحكم لتطال الاشاعات
والحقائق، ليس الجوانب الشخصية في حياة اسرة بارزاني، بل طريقته في الحكم
وأسلوبه السياسي.
فقد اتّهم بارزاني وحزبه بتهريب النفط في كردستان العام 2010، وفق ما نشرته
صحيفة "روزنامة" الاسبوعية ليطالبها الحزب، بتعويض مليار دولار لتناولها
القضية. وتجددّت قصص تهريب النفط حتى اعتبر نيجرفان في تصريح لقناة
"العربية" الشهر الماضي، أن كردستان تبيع النفط لكنها لا تهربه بل تصدره.
لكن اليوم، ليس الامس..
فثمة استقرار نسبي يخيّم على كردستان، وتفاهم يصفه البعض ب"الحذر"، يطبع
العلاقة بين القطبين الكرديين الرئيسين، مثلما العلاقات البينية بين افراد
العائلة البارزانية نفسها ، في ظل مرحلة انتقالية ، التهديد الرئيسي فيها
اليوم ، بحسب أكراد ، هو الهيمنة والفساد ونفوذ بطانة وأفراد أسرتي برزاني
وطبقة سياسية مترفة ، قبل كل شيء.
وإذا كان نيجرفان ، يسوّق نفسه زعيماً ديمقراطياً عصرياً ، فهل سيساهم في تحويل
النظام العشائري الحاكم الى نظام ديمقراطي حقيقي يتجاوز العشائرية
والمحسوبية ومحاباة للأقارب؟ ..
يجيب على ذلك، براين غيبسون، الكاتب والباحث في العلاقات بين الولايات
المتحدة الأمريكية وإيران، بالقول انه "من الصعب الجزم بذلك ".

الأعرجي.. بهلوان المال والسياسة

سامي الاعرجي

    الأعرجي.. بهلوان المال والسياسة


        يمكن لك أنْ تصِفه بما شئت، سياسيّ، تاجر ورجل أعمال، عالم وأكاديمي،
        وفي ذات الوقت، لك ان تشكّك.. في سرّ قفزات الموصوف، السياسية
        والحزبية و"المذهبية"، التي نقلته من حالٍ الى حال

المتَبَسُّم، دون الضحك، بوَجْهينِ، قفز بحركة "بهلوان" سياسي، عابراً مرحلة
انتقالية حرِجة بين نظامين.

سامي الأعرجي، يمكن لك أنْ تصِفه بما شئت، سياسيّ، تاجر ورجل أعمال، عالم
وأكاديمي، وفي ذات الوقت، لك ان تشكّك.. في سرّ قفزات الموصوف، السياسية
والحزبية و"المذهبية"، التي نقلته من حالٍ الى حال، أهو مخلوقُ انتهازيّ، أم
مبدئيّ، أم هو وصوليّ، أم قنّاص ذكيّ للفرص، وله عذره في ذلك، فأنّ دوام الحال
من المُحال.

وبيْن تصاريف الدهر، فان المؤكد إنه رجلٌ عصاميٌّ مائجٌ، سواء انحدر كالصَّبَبِ، مع
موج البحر السياسي، أو ارتفع معه، ما قبل 2003، وما بعده.

واذ ينظرُ البعضُ بأسفٍ الى التقلب "المريب" بوصف الخصوم، للأعرجي من كونه
كفاءة اكاديمية، إلى "تُوَيْبِع" سياسي قبل 2003، و "رجل بزنس" وصفقات بعد ذلك
التأريخ، فان آخرين يرون فيه شخصية ناجحة، لاسيما في مجال المال والأعمال،
وخصوصاً بين الأهل والأصدقاء.

الاعرجي، المتَبَسُّم، دون الضحك، قفز بحركة "بهلوان" سياسي، عابراً مرحلة
انتقالية حرِجة بين نظامين، بقرار من الحاكم المدني الامريكي "بريمر" الذي
استثناه من اجتثاث البعث، وبمساندة ودعم احمد الجلبي، الذي التقاه وجهاً
لوجه عبر وسيط بعد اجتياح العراق في فندق فلسطين ببغداد، ليثمر ذلك "اللقاء
السري"، عن استثناء الاعرجي بكتاب عاجل من الاجتثاث.

وهكذا، أُعيد انتاج الاعرجي من جديد، على يد الجلبي، لغرض استثمار خبرته في
قيادة ملف الاقتصاد الى جانب الجلبي الذي كان نائباً لرئيس الوزراء لشؤون
الاقتصاد العام 2005.

غير ان الايام اثبتت فيما بعد، ان الاعرجي، لقمة ليست سائغة للجلبي، اذ
سرعان ما قادته طموحاته الى تجاوز الجلبي في علاقاته السياسية والمالية،
لاسيما بعد تبوؤه قيادة الاستثمار في العراق، ما جعل القطط السمان تقف
يومياً على نافذته تستجدي لحوم عقود الاستثمار وعظامها.

تقول سيرته الذاتية المنشورة في اكثر من مكان، على مواقع النت، ان سامي
رؤوف تقي مهدي الاعرجي من مواليد مدينة الكاظمية في بغداد العام 1945، من
أصول فقيرة، لكنّ اجتهاده في المدرسة أتاح له القبول في بعثة إلى الولايات
المتحدة الأمريكية لدراسة الهندسة، فحصل على البكالوريوس في الهندسة
الميكانيكية، ثم اكمل الماجستير، ثم الدكتوراه العام 1973.

غير ان أحد الذين نشروا سيرته على النت يقول ان "غضب النظام انصب على
الاعرجي، نتيجة دراسته للفيزياء النووية دون علم منه"، لكن هذا الادعاء
يتحوّل الى محض مزاعم، مع عدم وجود ما يشير الى ان الاعرجي عوقب أو طُرِد من
وظيفته، بل عاش معزّزاً مكرّماً ان لم يكن مدلّلاً، فحين عاد الى العراق العام
1975، كافأه النظام بمنحه وظيفة مهمة في هيئة التصنيع العسكري، ووضع ثقته
فيه في العمل في البرنامج النووي مديراً للسلامة الصناعية فيه، حتى داهمت
فرق التفتيش على اسلحة الدمار الشامل منزله العام 1999، بحثاً عن وثائق ذات
صلة بعدما تأكد لهم ولاءه للمهام الموكلة اليه.

وهكذا اذن، دفعته ثقة السلطة به لان يترقّى في مهامه حتى عمل مديراً لمشاريع
مختلفة في وزارة الصناعة والمعادن، ومنها مشاريع اعمار البنى التحتية بعد
حرب الخليج الثانية.

والغريب، في مسيرة الصعود "الاعرجية"، انها ظلت على وتيرة واحدة، رغم تبدل
الظروف السياسية، ليُعين بعد العام 2003 وكيلا لوزير الصناعة والمعادن، ثم
رئيساً للهيئة الوطنية للاستثمار، العام 2009، ولحد الان.

شاهد عيان، هو عبد الله العراقي، يتحدث بثقة العارف بخفايا الامور بعدما
استقى معلوماته من موظف يعمل مع الاعرجي، فنشر على النت في كانون الثاني
2013، ما يفيد بان الاعرجي حين علم بان منصب "رئيس هيئة الاستثمار" شاغراً،
طرق كل الابواب لشغله حتى باتت اغلب الاحزاب، علمانية، ودينية، سنية،
وشيعية، كردية، وعربية، تعتبر نفسها صاحبة الفضل في تعيينه.

يقول احد خصومه يطلق على نفسه اسم "العراقي"، اسلوب الاعرجي منذ ذلك
التاريخ، بانه اسلوب "تاجر سياسي" مطبقاً مبدأ وصوليا "معي ستربح أو تسكت
فتكون عبداً مطيعاً"، وكل ذلك لخدمة حاجاته الشخصية حتى ان مدير عام إدارة
الهيئة، تحول تحت سطوته، الى خادم مطيع، فلا غرو ان يذهب بنفسه لاستقبال
بنت الاعرجي في المطار.

ويكشف ناشط رقمي بدا عارفا بالكثير من تفاصيل ماضي الاعرجي، أسرار متاجرته
بالسجاد العراقي الذي كان يُصنّف تالفاً، ثم يُباع من وراء "ظهرالدولة"
بالتنسيق مع جعفر ضياء جعفر، وكيل وزير الصناعة السابق والتصنيع العسكري في
العهد الصدامي.

لكن..هل الرجل ضحيّة نجاحاته، فلطالما يتلقّى المرء صاحب الانجازات، الطعنات
حتى من اقرب الناس اليه، فتُخلط الحقائق بالشائعات، وتُنسج مع الاحابيل،
للإيقاع به، أم هو كما يوصف، يميل مع الريح، حيث تميل، ولا يقذف بالحجارة
الشجرة الخالية من الرطب!.

وفي الحالين، فان الاعرجي اليوم أمام اسئلة شائكة وطلاسم وحكايات تتعاظم
يوماً بعد يوم حول دوره في مشروع "بسماية" بصورة خاصة، ناهيك عن اتهامات
كثيرة له كونه رئيس الهيئة الوطنية للاستثمار، بصورة عامة.

يقول ناشط رقمي، في مقال منشور على النت، ان "الاعرجي يحصل من وراء منصبه
على الاموال بالملايين من (الكومشن) فقط، من شركات ورجال اعمال، يسهّل لهم
تمرير الصفقات التعاقدية مع الحكومة، لكن الناشط لم يقدم وثيقة تثبت كلامه".

وينبري آخر، الى القول.. "يمرّر الاعرجي الصفقات لمسؤولين نافذين، ما جعله
يستمر في منصبه في الهيئة على رغم بلوغه السن القانونية للتقاعد".

وأكثر هذه الصفقات تداولاً، المقاولات الثانوية، التي وجدت شركة "هانوا"
المنفّذة لمشروع "بسماية" السكني، نفسها، مضطرّة لقبولها تحت الحاح الاعرجي
والشبكات المرتبطة به، في ظل اجواء تُتّهم فيها هيئة الاستثمار، بالفشل في
جذب رؤوس الاموال.

وفي هذا الصدد، نشرت وسائل الميديا، تصريحات لمستثمر عراقي كبير لديه
مشاريع استثمارية مهمة، يقول فيها ان "رئيس الهيئة الوطنية للاستثمار يضيّق
على المستثمرين العراقيين، ويضع العراقيل الكبيرة أمام اي مشروع استثماري
لا يحصل منه على عمولة".

مقال على شبكة الانترنيت ، لكاتب كنى نفسه بابي عبد الله العراقي ، ويبدو
انه منتسب في الهيئة ، اتهم الاعرجي بالانفراد في قرارات الهيئة قائلا ان
"الاعرجي لا يجتمع بمسؤولي الهيئة وولايطلعهم على ما يهم العمل ويعتمد على
مجموعة خاصة به ".
نلمح انعكاسا لهذا التفرد على الصفحة الرئيسة لموقع الهيئة الوطنية
للاستثمار "الحكومي الرسمي " حيث يقول الاعرجي "نحن د. سامي الاعرجي رئيس
الهيئة الوطنية للاستثمار في جمهورية العراق نرحب بالمستثمرين الكرام في
بلدنا المضياف ......". واضعا نفسه بديلا عن الهيئة والحكومة والدولة
برمتها !.".

أحد الاسرار التي يكشفها على النت، خبير بأسرار صفقات الاعرجي، تفيد بأنه
اتفق مع الشركة الكورية المنفذة لمشروع "بسماية" على عمولة تتضمن رفع قيمة
سعر البناء من 450 دولاراً للمتر الواحد، الى 630 دولاراً، على ان تكون حصة
الاعرجي 100 دولار للمتر كشرط لإتمام الصفقة، وبعملية حسابية بسيطة فان
مبلغ مقدمة العمولة لوحده سيكون نحو 133مليون دولار تقريباً.

وهكذا، اذن، يبني الاعرجي، مستقبله في الولايات المتحدة بعد تقاعده حيث
تسكن عائلته هناك، غير مُكثرثٍ، بموجب ذلك، بما يدور من الهمس واللّمز من
فضائح ورشاوى وحكايات فساد، تخلّلت مشروع "بسماية"، ابطالها اقرباء ومقرّبون
له، على رأسهم ابن عمه، اذ يروي الراوي في تقارير نشرها على النت، وعبر
احاديث يرويها للثقاة، تتناقلها الالسن حتى باتت حديثا عاما يحتاج الى
التحري والكشف عن حقيقية ما يجري، ان ابن عمه يتلقّف المقاولات من الكوريين
تلقف الكرة، ويمرّرها الى لاعبين وسطاء ومقاولين ثانويين مقابل عمولات.

ولشدة الجدل الذي تُحدِثْه الحكايات عن قريبه، فان الناس بدأت ترسم ملامح
شخصيته، فيقول قائل ان ابن عمه يتبجّح على الدوام بانه كان ضابطاً سابقاً، لا
يرضى ان ينافسه او يطلع على اسراره احد ما جعله يطرد حارسه، سيد( )، من
الهيئة لانه كان شاهدا على عمليات يشوبها الفساد.

يقول الكاتب سعد جلو، في مقال له على النت "ذكر لي احد المستثمرين ان رئيس
الهيئة طلب منه ادخال شركاء معه يحددهم بنفسه في اجازة الاستثمار رغم
موافقة رئيس الوزراء على مشروعه الاستثماري".

وفي سلسلة محاولات الكشف عن خداع الاعرجي الاستثماري، اكدت لجنة النزاهة
النيابية في سبتمبر 2013 ان "تصريحات رئيس هيئة الاستثمار سامي الاعرجي
تهدف الى تضليل السلطة الرقابية وللتهرب من المحاسبة القانونية".

ويشير جواد الشهيلي، عضو لجنة النزاهة النيابية، في سبتمبر 2013 ، الى "قرب
الكشف عن أكبر فضيحة للفساد منذ 2003 متعلقة بمشروع مدينة بسماية السكني".

لكن للأعرجي أسبابه وهو يرد على اتهامات متربّصين، وليس أمام المرء سواء كان
فاسداً أو فاضلاً، ناجحاً أو فاشلاً، سوى الدفاع عن نفسه، بأية وسيلة، ذلك ان
الفاسد بطبيعته يخاف حتى من همْس من حوله، لانه يدرك عظمة ذنبه، اما البريء،
فيعتبرها اصداء لغو لا يفيد، فيتركها ويمضي.

لكن، في ايّ الحالين، يوضع الاعرجي وهو يقول ان "الاستثمار في البلد سيكون
افضل لولا التداخلات"..؟.

وبعيدا عن الاستثمار وتفاصيل هيمنة الاعرجي، ينبري عراقي على مواقع النت
بفضح خبر تعيين ابنته،  براتب أربعة آلاف دولار في القنصلية العامة
العراقية في ديترويت، على رغم ان راتب زوجها الموظف الرسمي في وزارة
الخارجية هو ثلاثة الاف وخمسمائة دينار، وان قانون وزارة الخارجية يمنع عمل
الزوجة والزوج في مكان واحد، لكن استثناءات الاعرجي وامتيازاته تسمح بتجاوز
القانون.

محمد عبد الجبارالشبوط.. مراهق العاطفة والسياسة

محمد الشبوط

    الشبوط.. مراهق العاطفة والسياسة
*******

 تجتمع في شخصيّة محمد عبد الجبار الشبوط المُكَنّى "ابو سعدي"
متناقضات سلوكية وفكرية، تبدأ بتسويقه لنفسه منظراً للديمقراطية والتداول
السلمي للسلطة، ومحللاً يسبر أغوار المستقبل العراقي، ولا تنتهي بكونه
المتشبّث بكرسي شبكة الاعلام، على رغم قرارات اقالته، فضلا عمّا خبره
المقرّبون منه، كونه بخيلاً الى حد الشح، حتى عند الاستئناس برأيه في موضوع
ما، لتجتمع في شخصية مراهق سبعيني أو يكاد، كل الصفات المتناقضة، اذ لم
يمنعه عمره المتقدم والاعتبارات الاخلاقية من استدراج الفتيات الى خِيوط
شباكه المنصوبة في المسالك.

ولا يُلقى الكلامَ على عواهنه في ظاهرة "الشبوط"، اذ يقول العارف بشؤونه، ان
التركيز على النساء في حياته، ليس سوى نِتاج ما اقترفه المراهق العجوز من
مغامرات عاطفية يعوّض بها دفئاً لأحضان الانوثة التي افتقدها أيام الصبا
والشباب، كما يقول صديق قديم له، يتحدث ايضا عن ان هذه العادة لم تتغير،
فما ان شرع في عمله رئيسا للشبكة حتى استثمر منصبه في اصطياد اللواتي يبحثن
عن لقمة عيش، والمراهقات الباحثات عن النجومية في التلفزيون، ما جعل الذين
من حوله يتربّصون به ويسجّلون له مقطع فيديو في مكتبه في أوضاع اخلاقية غير
مهنية، مع موظفة في الشبكة.

وفي تأريخه مع حزب الدعوة، يقول رفيق قديم له، ان الشبوط الذي لم يكن
مغامراً مع النساء فحسب، بل مراهقاً سياسياً، ترك حزب "الدعوة الاسلامية" أو
طرده منه شيوخ الحزب الذين لمسوا فيه علامات الانحراف الفكري والاخلاقي،
ليتسكع وظيفياَ بين صحف الكويت، والمعارضة العراقية في الخارج.

ان هذا التخبّط الفكري والوظيفي، وانغلاق الابواب بوجهه، جعلت منه شخصا غير
واثق من نفسه، يتملّق لمن يعتقد انهم سيوصلونه الى طموحاته، فتزلّف الى احمد
الجلبي تارة، ولإياد علاوي تارة اخرى، على طريق الحصول على فرصة عمل في
المعارضة، فكان عمله في صحيفة المؤتمر في لندن، لقاء أجر زهيد.

ولأنه يسعى الى الاهداف التي رسمها في داخله، فقد كان من القلائل من
المعارضين العراقيين الذين قبلوا زيارة العقيد الليبي الراحل معمر القذافي
في بداية تسعينيات القرن الماضي، في وقت كان فيه الشيعة ينظرون الى هذا
الدكتاتور كعدو، بعد تغييبه رجل الدين اللبناني الشيعي موسى الصدر، حيث لم
تكن المعارضة العراقية في حاجة الى دعم زعيم ليبيا، غير ان الشبوط وجد في
الزيارة فرصة للمرائية والظهور بمظهر أحد زعماء المعارضة، ناهيك عن سيلان
لعابه للدولارات التي كان يمنحها القذافي لمتملّقيه. واثناء ذلك، كان الرجل
عضوا في تنظيم "جند الامام" المنشق عن حزب الدعوة بزعامة عزت الشابندر، حين
ترأس وقتها جريدة "البديل الاسلامي" بدمشق، لكنه، في خطوة انقلابية على
اسلاميي المعارضة العراقية، انضم الى الجلبي، وصار رئيس تحرير جريدة "المؤتمر".

وجد الشبوط في التغيير في العراق فرصة سانحة لتحقيق طموحاته، فدخل العام
2003، مع جي غارنر، ككادر إعلامي برئاسة عماد الخرسان، مسؤول اعمار العراق
وقتها، الذي كان ينسق الاجندة الاعلامية مع الامريكان، والذي اشترط على
الشبوط التفرغ للعمل الاعلامي، وعدم الدخول في أي مشروع سياسي.

وشتان بين ثرى الشبوط، وثريا الاهداف الوطنية التي تبناها، ذلك ان وصولية
الشبوط، ونكثه بالعهود جعلته يتجاوز الخرسان، فاتصل بالجهات الامريكية،
باعتباره زعيماً لحزب إسلامي للحصول على التمويل والدعم المادي، وحين علم
الخرسان بذلك، طرده شر طرْدة.

يَعْلَمُ الرجل من أين تؤكل الكتف، - يقول عارف ببواطن أمور الشبوط - فحين
استنفد اغراضه مع الامريكان، تملق الى اصحاب الشأن لإدارة جريدة "الصباح"،
حيث فشل في ادارتها كما توقع المسؤولون الذين نصّبوه، لكنهم آثروا منحه
الفرصة من جديد، وحين فاحت رائحة الفساد والاختلاس، جراء سوء ادارته
واستغلاله لمنصبه الذي احاطه بثلاثة نساء في أروقة الجريدة، اضطر رئيس
الوزراء في وقتها ابراهيم الجعفري الى طرده في ليلة ظلماء، ما اثّر ذلك حتى
على علاقته بأسرته بعدما عرفت زوجته مغزى الطرد.

وتقول السيرة الحياتية للشبوط انه من مواليد الكوت في محافظة واسط العام
1949، غادر العراق للمرة الأولى 1967 الى الكويت التي بقي فيها ثمان سنوات،
ثم بدأ سلسلة هجرات أخرى قادته في نهاية المطاف الى بريطانيا مروراً بسوريا
ولبنان، شارك خلالها في اصدار عدة صحف مثل "الجهاد" العام 1982، في طهران،
و "البديل الإسلامي" العام 1985، ثم "المؤتمر" في لندن، ومجلتيّ "الإسلام
والديمقراطية"، "الأسبوعية" في العراق بعد العام 2003 .وأدار في الكويت،
العام 1994 مع البعض من معارضي صدام، تنظيماً سرياً مهمته التنسيق مع
المعارضة العراقية في الخارج، لأسقاط نظام حكم الرئيس صدام حسين.

لا يهتم الشبوط كثيرا بمظهره، مفضلا اطلاق لحيته البيضاء في اغلب الاحيان،
عازفا عن ارتداء ربطة العنق، الا ما ندر، لكن يقض مضجعه عدم نعته
بـ"المفكر"، وأحد "اساطين " الاعلام، فيما تشير مقالاته الى معالجات
براغماتية للحدث السياسي، يسعى فيها الى ابراز قدراته المعرفية والتحليلية،
فمازال الى الان، يسعى عبر افتتاحيات في جريدة "الصباح" الى تسويق نفسه
باعتباره المعبّر عن وجهة نظر سياسة الحكومة بصورة غير مباشرة، عبر عمود
يومي يفتقر الى العمق الدلالي.

وربما فكّر الشبوط، كحاطب ليل، ان نهاية مشواره مع "الصباح "، هو وقت الرحيل
من العراق، على أمل تجدد الفرصة ثانية في تحقيق ما عجز عنه، فعاد الى
قواعده في الكويت ولبنان ولندن.

ومن الكويت، سعى الرجل الى ذرُّ الرماد في العيون، فانقلب كعادته الى خصم
كاسر، للعملية السياسية في العراق بعدما وجد لنفسه عملاً متواضعاً في صحيفة
"الوطن"، منتقما من نفسه ومن سياسيين وقفوا في وجهه، فكتب مقالا حمل عنوان
"رئيس الوزراء لا يقرأ " متهما مستشار المالكي الاعلامي آنذاك ياسين مجيد،
بحجب الرؤية عنه.

وفي ذلك الوقت، ايضا ترأس تحرير مجلة "الاسبوعية"، واثناء ذلك اشيع عنه
علاقته العاطفية المشبوهة مع فتاة لبنانية، اسمها (أيمان إ)، شوهدت وهي
تحتضنه في اكثر من موقف في المطار واماكن أخرى، بحسب صديق قديم له في بيروت.

لكن الشبوط لم يرجع بخفّي حُنين، وبعد انتهاء الولاية الاولى للمالكي رتّب
أوراقه من جديد، متزلفا لدولة القانون، وموهِماً أصدقائه القدامى بقدرته على
حصد اصوات محافظة واسط جميعها لكنه فوجئ بنتائج خيّبت بوصلة احلامه، فعاد
الى عادته الى التوسل بجهات القرار في الحصول على منصب تنفيذي، حتى أنتهى
المآل بعطف المالكي عليه عبر تعيينه عضوا في مجلس امناء شبكة الاعلام
العراقي بواسطة من ياسين مجيد.

ونقل مصدر مطلع على تحركات الشبوط، انه في الوقت الذي كان يتنقل فيه بين
الكويت وبغداد، لغاية اقالة عبد الكريم السوداني من رئاسة الشبكة في 2011،
حيث اصبح رئيسا من بعده، بعد منافسة مع سالم مشكور، تودّد الى عضو دولة
القانون، علي الشلاه للتوسط لدى رئيس الوزراء، متعهداً بعدم تكرار تجربة
السوداني المريرة مع المجلس، ومؤكدا توبته في ان يعود إسلاميا وينظف تاريخه
النسائي، وان لا يصفّي حسابات شخصية مع خصومه من الاعلاميين، لكنه استغل
انشغال المالكي بمشكلة الهاشمي وفصلهما.

وامعانا في إهانته طلب منه أحد مستشاري رئيس الوزراء، هو "ابو مجاهد" تقديم
برنامج حواري في "العراقية" يدعم المالكي حيث قدّم حلقة منه لينال الرضا.

ومثلما هو متوقّع لشخصية وصولية مثل الشبوط، فان وعود الليل يمحوها كرسي
السلطة الذي حصل عليه ليعود لصناعة امجاده من جديد من خلال ادعاءاته بان
منصب رئاسة الشبكة قد فُصّل وفق مقاساته حتى من قبل سقوط النظام، لكن غاب عن
الشبوط ان كتابة مقال بسيط لا يعني النجاح في ادارة مؤسسة اعلامية كبيرة
وشاشات تلفزيونية في عصر الـHD حيث ظلت شاشة "العراقية" باهتة، وخارج اطار
التطورات التقنية المتسارعة، ما اثار أداء الشبكة المتواضع انتقادات كثيرة.

أثار الخلل الكبير في اداء عمل الشبكة، رئيس مجلس الامناء حسن سلمان، ما
دعاه الى مخاطبة رئيس الوزراء، حول دلائل سرقة وهدر ملايين الدولارات بين
عقود المسلسلات الركيكة التي يمنحها الشبوط لشركات يديرها بعثيون وبين شركة
"فورتريز" اللبنانية التي جدّد لها الشبوط عقد بيع اعلانات الشبكة لثلاث
مرات متتالية وبدون منح اي فرصة لأية شركة عراقية للدخول في المزايدة مقابل
عمولات طائلة كشفها سلمان مؤخراً في ملفات ارسلت للنزاهة وما زالت قيد التحقيق.

واذا كانت الكثير من ملفات فساد الشبوط خافية، فان عاصفة مقطع الفيديو
الفضائحي للشبوط مع موظفة، كشفت بالدليل القاطع، خرْق الرجل لأخلاقيات
المهنة، وتمرّده على القوانين، والقيم المجتمعية، لاسيما وان الموظفة تصغر
الشبوط بنحو خمسين عاما.

الى ذلك فان اغلب العارفين بخصال الشبوط يؤكدون ضعفه امام النساء، على رغم
زواجه من امرأتين الاولى في بريطانيا مع أولادها واحفادها، والثانية في
الكويت مع أولادها وهي اصغر منه بنحو الثلاثين عاما، يزورها بين الفينة
والاخرى.

لم تمر فضيحة الفيديو مرور الكرام، ذلك ان الجهات العليا تدرك المدى الذي
اوغل فيه الشبوط في الفساد، فأجّلت حسم الموقف الى ما بعد الانتخابات بعد
توسلات الشبوط في حفظ ماء وجهه المسكوب. ومنذ تلك اللحظة، تفرّد رئيس الشبكة
في القرار،، في سعيه الى اقصاء كل الذي يشك في ولائهم، بعدما اتسعت دائرة
الريبة بكل من حوله، مكثرا من الندوات حول "انتهاك الخصوصية"، ومتّهماً مجلس
الامناء بالعمل ضده في سلسلة مقالات كتبها باسمه المستعار "صميم العراقي"
الذي دأب على النشر في صحف مختلفة، بينها صحيفة منح الشبوط مالكها عقدا
بمليوني دولار لإنتاج احد المسلسلات التي تنوي العراقية انتاجها في رمضان
المقبل.

مازال الشبوط يعتمد في بقاءه في الواجهة الاعلامية، واحتكار منصب رئيس
الشبكة، على انتهازية المواقف السياسية، فمن مجلس المالكي الى مجلس بيان
جبر ليهمس في اذن الاخير "انني معك لو حصلت على رئاسة الوزراء"، متذرعاً
بعدم قناعة حزب الدعوة بمواقفة السابقة، وان كفاءته واهليته الاعلامية تفرض
نفسها عليهم، كما يفعل ذات الموقف المتزلف مع الاكراد حيث قدّم لهم خدمات
هامة بإلغائه قناة "العراقية الكردية" ليحجب صوت الحكومة الاتحادية عن
المشاهدين الاكراد ويمنح الفرصة لوسائل اعلام "الحزب الديمقراطي"، لتشويه
صورة الرئيس المالكي، بالإضافة الى قيامه بمنح اذاعة "المدى" التابعة لفخري
كريم ترددات تابعة لشبكة الاعلام العراقي، بتعاقده معها على استئجار
"مرسلات" تابعة للشبكة في عدد من مدن العراق، نهاية العام الماضي.

واكثر من ذلك، بحسب خبير اعلامي، حَرَمَ الشبوط متابعي دوري الاندية الكروية
العراقية من الاستمتاع بمشاهدة المباريات، بانسحابه من مزايدة نقل مباريات
الدوري لصالح قناة "ايوان" الكردية، تاركا لها فرصة التفرد بنقل المباريات،
بصورة حصرية، وكان ثمن ذلك عمولة مالية ملأت جيوب الشبوط.

هكذا، اذن يشكّك المعارضون بصدقه، فيصفونه بانه "بلا مبدأ"، مثلما لا يمكنك
معرفة لونه الحقيقي، المتبدّل مع كل فصل، فلا يتردّد في سكْب ماء وجهه امام
الجميع، ما جعله لا يتورّع من نشر اعلانات لمقدمة برامج اثيرة على قلبه، في
عشرات الصحف فلم يستثن منها صحيفة "الشاهد" سيئة الصيت التابعة لخميس
الخنجر، أحد ممولي القنوات المحرّضة على العنف الطائفي مقابل ملايين
الدنانير كثمن لتلك الاعلانات لشراء ولاء الصحيفة واسكاتها عن انتقاء
الاداء المرتبك للشبكة.

ولم يسْلم مكتب "العراقية" في لندن، من استغلاله لمنفعته الشخصية بعدما حوّل
له العام الماضي، نحو خمسين ألف دولار، تحت ذريعة تأثيث المكتب، نصفها ذهبت
الى رصيده الشخصي، و عيّن احد المتملقين مديراً له ليكون واجهة للتغطية على
توظيف ابنته في المكتب براتب ضخم. وحين عوتب على ذلك، قال "لست وحدي مَنْ فعل
ذلك".

وليس هذا سوى غيْض من فيْض، حيث تورّط رئيس الشبكة، بشراء طابعة ألمانية
"حديثة" بأربعة ملايين دولار لصحيفة "الصباح"، لكنه استلمها "مُستعملة" لا
يتجاوز سعرها المليون، فيما ذهب بقية المبلغ الى جيوبه في العادة، مثلما
فعل ذلك مع المسلسلات الدرامية مثل "امام المتقين" و "فرقة ناجي عطالله".

هكذا اذن، هذا "الشبوط" الذي يتقلّب في عباب بحر الفساد بخفة ورشاقة، و
بالوان الكتل السياسية الفاعلة، فمرة في اقصى اليمين واخرى ينسحب الى اقصى
اليسار ن ولسان حاله يقول "لم تبق لي المصلحة من صديق".

وبين دهاليز السياسة، ينخرط العجوز المراهق، في مغامرات بين فتيات بعمر
احفاده وعمولات لن يسعفه العمر لصرفها.

لكنه يبقى، كما هو في النهاية عارياً أمام رياح الحقيقة التي تعرّي المواقف
مهما خفيت، ليبقى هذا المسؤول الاعلامي في النهاية، معلّقا من ياقته في قرار
مجلس امناء شبكة الاعلام بإزاحته، والعالق في مكتب رئيس الوزراء بانتظار
المصادقة عليه، حيث لم يترك له الحبل على الغارب، ليصبح بعدها أثراً سياسياً
بعد عيْن، عفا عليه الدَّهر.

خميس .. خنجرٌ في الجسد العراقي

خميس الخنجر

    خميس .. خنجرٌ في الجسد العراقي


 أتاحت حقبة ما بعد 2003 نمو وانْتِعاش "طفيليات" زرعها نظام
صدام حسين (1937 – 2006) في ارض العراق، فتسلقّت الفضاء واِرْتَفَعَت على اشجار
الوطن، متخيلةً نفسها أبلغ قيمة واعلى شرفاً من النخلة، لكنها في واقع الحال
إِمَّعَات واهنة ومُهَانة، جذورها خَائِرة في وحل الفساد والخيانة والانْحِرَاف، اتكأت
في صعودها على صفقات مشبوهة، واستثمرت الازمات لطلاء وجهها الكالح بقناع
"الوطنية"، لكنها تعجّلت هَتْكَ نفسها الامّارة بالخيانة والصَفاقَةٌ، وكشفت
الاحداث ارتباطاتها المشبوهة، بعدما نهبت أموال العراق واودعتها في البنوك
الاجنبية، لدعم الارهاب وتمويل نزعات الانفصال، والفتن الطائفية والمذهبية.

وأحد نماذج هذه الأميبيات التي تتَسَطَّح في المياه الآسنة، وتنكِمش في الفضاء
النقي، خميس الخنجر، التاجر العراقي، الجاهل في السياسة، الذي لا يفكّ الحرف
الاّ بالكاد، لكنه أكبر سارق لأموال العراقيين في العقد الاخير، بالتنسيق مع
اولاد الدكتاتور العراقي المقبور صدام حسين.

انّ مصطلح "لصّ" قليلٌ بحق الخنجر كما يورد ذلك سياسيّ عراقي يقيم في العاصمة
الاردنية عمّان، خالَطَ تفاصيل مهمة من فعاليات الرجل، ففي ظرف سنوات معدودة
اصبح بحوزته من المال العراقي ما يعادل الملايين من الدولارات عبر استحواذه
على اموال من عائلة صدام المليارية حيث كان يدير فعاليات تجارية وصفقات
سرية لأسرة الدكتاتور.

ولا يمكن وصف الرجل سوى انه ممتهِن للصوصية، ووريث مافيا اولاد صدام
وبطانته، وهو أحد الادلة الدامغة على استهتار اسرة صدام بثروات العراقيين
وكيف انها وظّفت شخصا اميّا، ارعناً، بليداً، لإدارة اعمالها ومشاريعها
الاستثمارية في خارج العراق حتى اذا سقط النظام في 2003 استولى على جزءٍ غير
يسير منها.

سيرة

ينحدر خميس فرحان علي الخنجر العيساوي من فخذ العمور من محافظة صلاح الدين
( تكريت).

ولم يكن في نشأته الاولى، سوى شابا غَلِيظ الذهْن، يجمع بين "محافظة" القرية،
والطموح في سبر أغوار المدينة الى المدينة وتقصي احوالها لإشباع عقدة النقص
في داخله من التحضر. ولشدّة بلاهته، وعدم اهتمامه بالعلم والتعليم لم يكمل
حتى "الابتدائية"، لكن انحداره من المنطقة التي تدلّى منها صدام، اتاح له
التقرب عبر علاقات عشائرية، من الاسرة الحاكمة وقتذاك.

ولم يكن الفتى الأخرق عدي صدام حسين مخطئا، حين اختار الخنجر للأشراف على
صفقاته ومغامراته المالية، ذلك انّ عدي شأنه شأن والده، كان لا يركن لأصحاب
الكفاءة والفكر والارادة والخبرة والذكاء، لكي يظل الشخص الذي يقع عليه
الاختيار رهن ارادته.

وفي خلال فترة الحصار في تسعينيات القرن الماضي، عمل الخنجر مهرّبا للأغنام
والسكائر بين العراق والاردن بحماية عدي صدام حسين، وحين شعر ان نهاية
النظام اقتربت، قَلَب لعدي ظهر المجن، وفرّ الى الاردن مستحوذا على قرابة 700
مليون دولار هرّبها إلى عمان بأمر من عدي ليستحوذ عليها الخميس فيما بعد.

وبعد 2003 حضر قصي صدام وجمال مصطفى (زوج حلا صدام حسين) الى الفلوجة قبل
سقوط بغداد بيومين مودعين مبالغ مالية هائلة لدى خميس وشقيقه عبد الجبار،
حتى اذا قضى قصي نحبه، اقنع الخنجر جمالاً بان صفحته "بيضاء" لدى الامريكان،
ما ساعد على تسليمه اليهم، كما أوردت ذلك صحف ومواقع عراقية.

وفي بضع سنوات اصبح خميس الخنجر من حيتان الاستثمار والمال في منطقة الشرق
الاوسط واشترى بنك "الاتحاد" وأصبح نائبا لرئيس مجلس الإدارة فيه، على رغم
انه لا يحمل حتى الشهادة الابتدائية.

ومثلما اعتمد الخنجر على عدي في التخلص من أي مضايقات قانونية او امنية
داخل العراق، عقد تحالفات مالية واستثمارات مع امراء سعوديين واردنيين
لتامين فرص الاستثمار والحماية له ولأمواله في نفس الوقت.

وكلما زاد رصيد الخنجر المالي حتى بلغ نحو المليار ونصف المليار دولار،
ازداد غرورا على غرور، و تَغَطْرُسا على تغطرس، وعتوّا على عتوّ، ذلك ان الجاهل
اذا امتلك المال ظنّ انه يغطيّ على الجهل ويطَلَسَ صفحات "الفساد" السوداء.

وحتى بعد النهاية الكارثية لأسرة صدام، ظل الخنجر مخلصا لولي نعمته، مشترياً
سكوتهم على لصوصيته وسرقته لأموالهم بالولاء، فقد شاعت احاديث ان الرجل
تزوج من رغد اكبر بنات صدام حسين المقيمة في عمّان ايضا، وتحدث مصدر مقرب من
عضو القائمة العراقية جمال الكربولي، في تصريح اعلامي تابعته "المسلة" عن
"منح الخنجر الجنسية القطرية فور الاعلان عن زواجه من رغد".

ولا غرو في الأمر، ذلك ان اقتران اللصوص ببعضهم هو الحل الامثل لتجنب
الصراع والاقتتال على ما بحوزتهم من المال المسروق الهائل.

مع وضد

يذهب خصوم الخنجر الى ابعد من كونه فاسداً ولصاً، سرق الاموال من لصّها الاصلي
عدي صدام واسرته، فيقولون انه جُنّد للعمل مع مخابرات امريكية واسرائيلية،
وهو من قام بتجنيد صهر الرئيس العراقي المدعو جمال مصطفى قبل الغزو
الامريكي للعراق في 2003، لكن خصوم له ايضا يناقضون ذلك، فيقولون ان
المخابرات لا ترتضي لنفسها عميلا مأجورا لعدي صدام، فضلا عن انه أميّ.

غير ان مصادر في العاصمة الاردنية عمان، قريبة من الخنجر يجاهرون بعلاقاته
الوطيدة بأمراء من قطر والسعودية ونخب أردنية مرموقة، في ظاهرها علاقات
مالية حيث يغري الخنجر اولئك بالصفقات، لكنها في الباطن ذات ابعاد سياسية
ومذهبية، اذ ينقل هؤلاء ان مجالس الخنجر تعج بأحاديث تأجيج المذهبية
والطائفية في العراق.

وينقل مصدر عن ان الخنجر يؤمن بأن "اهل السنة" الأوْلى بحكم العراق، ولهذا
يديم علاقاته مع الجماعات المسلحة ويتمنى بناء علاقات متينة وقوية مع
"داعش" لولا المحدّدات الاقليمية الاردنية والخليجية التي تمنعه من ان يذهب
بعيدا.

لكنه مع كل ذلك، بايع الارهابي ابو بكر البغدادي خليفةً للمسلمين، مدوناً على
حسابه في "فيسبوك".. "كلنا نبايع خليفة العراق وخليفة الدولة الإسلامية في
العراق، انت خليفتي وقائدي وللمسلمين جميعا.. سنة وشيعة بخدمتك سيدي".

بل انه خاطب البغدادي بالقول "اميري ونعم الامير السلام عليك يا امير
المؤمنين ابو بكر البغدادي".

يستخدم الخنجر، المال السياسي لكسب الولاءات وايجاد موطأ قدم له في العملية
السياسية في العراق، لكنه فشل منذ 2003 في ارساء دعائم وجود سياسي في داخل
البلاد، فقد تنقّل الخنجر عبر اسلوبه السياسي النفعي، بين مؤيد للعملية
السياسية مطلع العام 2003 وداعم متحمس، الى معارض شديد لها، وبعد ان كان
لفترة عرّاب "القائمة العراقية" التي تقوضت شعبيتها، ساهم في انشاء "كتلة
الكرامة" التي انفق عليها الملايين ولم تكسب سوى مقعد واحد.

ونتيجة لهذا الفشل المستمر، لجأ الخنجر الى دعم ما يسميهم بـ"ثوار العشائر"
فيما تتّهم العناصر المسلحة والجماعات الارهابية، الخنجر بانه يسعى الى
استغلالها للحصول على مكاسب سياسية.

وفي حين يقول مناصر للخنجر ان الرجل نجح في الكثير من المشاريع المالية
التي اسسها، ما ساهم في زيادة ثروته، وانه نجح في التأسيس لـ"مؤسسة الخنجر
للتنمية العلمية" ومقرها في عمّان، التي باتت مركزاً بحثياً معروفاً، الا ان
حسابها على "فيسبوك" بدا مهلهلا ضعيفا، يخلو من اية نشاطات لها عدا بضعة
صورة لطلاب، فيما يشير موقع "وكالة الاستقلال للاخبار" التابع للخنجر، الى
انها "مؤسسة عراقية رائدة في مجال التنمية العلمية ورعاية طلبة العراق على
نفقتها الخاصة، ولديها مشاريع جامعية ومدرسية مهمة في العراق وتركيا والهند
ومصر وماليزيا".

واضافة الى ذلك، فان منتقدي الخنجر يعدونها مؤسسة "وهمية" دعائية لتبييض
صورة الخنجر وتضم طلابا من ابناء الذوات والسياسيين والنخب التي تدور في
فلك الخنجر.

لقد اصبح مجلس الخنجر شبه اليومي، بؤرة لحياكة المؤامرات والدسائس ضد
العراق، بحسب ناشط عراقي يقيم في عمان، مثلما باتت مرتعا لفترة طويلة
لأعضاء القائمة "العراقية" و"الخارجين على القانون"، وممولي "الارهاب"،
لاسيما في الفترة التي كان فيها الخنجر الممول الاول للقائمة العراقية
بعدما اصبح الممر الامن لعبور الاموال القطرية والسعودية الى المعارضين
العراقيين.

الى ذلك، فان هناك من انصار الخنجر والمستفيدين منه، من يتحدث عن علاقات
قوية له مع حارث الضاري وطارق الهاشمي، وكلاهما داعمان للارهاب، اضافة الى
تمويله تأسيس قناة "بغداد" الناطقة بلسان "الحزب الاسلامي العراقي"، ونجاحه
في جمع الفرقاء السياسيين من "اهل السنة" للشروع في برنامج سياسي واحد، لكن
هذه الانجازات من وجهة نظر متابع لفعاليات خميس الخنجر وتصريحاته وعلاقاته
المحلية والاقليمية، اتجاهات "مذهبية" لا "وطنية" تستند في جوهرها على حث
الدول الاقليمية على التدخل في الشأن العراقي، لاسيما وان الخميس بدأ يجاهر
بدعمه للجماعات الارهابية ويعلن تعاطفه مع "داعش" ويسمي "الخارجين على
القانون" بـ"ثوار عشائر".

انّ الهوة شاسعة بيْن من يقول ان الخنجر رجل استثمار ناجح بالمنجزات التي
حققها في "بنك الاتحاد"، وبين من يؤكد ان هذا البنك تحوّل الى واجهة لغسيل
اموال تجار المخدرات وأمراء الإرهاب والحروب والخطف.

وعلى صعيد خفايا سرقات الخنجر ينقل ناشطون عراقيون، بان الخنجر يمتلك مزرعة
ضخمة في رومانيا، استولى عليها الخنجر بعد 2003 بعدما كان مشروعا استثماريا
لحزب البعث.

ان نشاطات الخنجر المالية تتعدى نطاق المصارف وغسيل الاموال الى المساهمة
في صفقات السلاح، فقد نقلت مواقع رقمية تابعتها "المسلة" ان الخنجر كان
عرّاب صفقة الطائرات "المغشوشة" والمتقادمة بالتنسيق مع وزير الدفاع السابق
عبد القادر العبيدي.

لكن صفقات الفساد ودعم الارهاب ومحاولات استغلال المال السياسي للاستحواذ
على المناصب في العراق، لم تكن بمنأى عن الاعلام، اذ اعتقد الخنجر ان سطوته
المالية تجعله يخرس وسائل اعلام عربية وعراقية اشتراها بالرشاوى.
هكذا اذن..

فنحن أمام انموذج لإفرازات صدام حسين التي مازال يعاني منها الشعب العراقي
الى الان، وهو انموذج يسخّر المال السياسي المسروق لتفريخ ارهابيين
وانفصاليين، وفي نفس الوقت يوظف هذا المال لتثبيت موطأ قدم في الساحة
السياسية العراقية، عبر الادعاء بالدفاع عن مكوّن واحد دون غيره، مدعوما من
دول جوار جعلت من امثال الخنجر عملاءً مخلصين لمخططاتها ومشاريعها.