الخميس، 17 نوفمبر 2016

عباس البياتي.. فقاعة من سخافة الكلام



لم يكن عباس البياتي نائباً اعتيادياً، فهو كان مجرشة من الكلام البارد، الذي
لا محتوى له، والذي لم يقم بأيّة فائدة تذكر، للمواطنين، أو لجمهوره الذي
انتخبه على غفلة من الزمن، أو اشتراكه بالعملية السياسية العرجاء.

ليس شخصية اعتيادية، متملقٌ من طراز رفيع، أيّاً كان رئيس الوزراء فهو تابعٌ
له، حتى إن تناقضَ الرئيسان، كما في حالة المالكي والعبادي.

كما أنه لا يتورع عن الكسب الانتخابي بشتى التسميات، فهو نائب يصدّر نفسه
بأنه شيعيّ، وإسلاميّ، وتركماني، ليكون "منين ما ملتِ غرفتِ" كما يقول المثل
الشعبي، وبشكلٍ اعتياديّ وواضح، من الممكن أن يقول عباس البياتي التصريح،
ويلغيه بتصريح آخر بعد دقائق.

ينحدرُ البياتي من عائلة بسيطة من طوزخرماتو، القضاء الذي أنهكه الإرهاب
والمفخخات، والذي لم يتكلم باسمه، أو يشرح مصائبه، لأن السلطة لا تهتم
بالضحايا، ويبدو أنه على تاريخٍ غير متوافق مع الأهالي، بحكم أنه كان ضابطاً
خلال الحرب العراقية الإيرانية، قبل أن يتعرض للأسر، وقيل أنه تعمد هذا.

بعد أن صار البياتي أسيراً، دخل ضمن النظام الذي كان يخيّر الأسير أن يبقى
أسيراً، أو يكون "توّاباً" بحسب اصطلاحهم، وهو الرجوع عن البعث، والإندراج ضمن
الفصائل العراقية الإسلامية التي كانت تقاتل الجيش آنذاك، فعمل في صفوف
المجلس الأعلى للثورة الإسلامية آنذاك، وتدرب وصار مقرباً من حزب الدعوة
هناك بذات الوقت.

ثم غادر إيران إلى سوريا، وأسس الاتحاد الإسلامي لتركمان العراق وعقد
مؤتمره التأسيسي عام 1991، ثم عقد مؤتمر شهداء التركمان، وبشكلٍ عام كانت
خطوة ذكية من طهران، لإيقاف المدّ التركي السنّي على الحركة التركمانية.

كان البياتي هو البوابة التي قلبت الهوية التركمانية من هوية قومية إلى
هوية طائفية، وفي الاستهداف الذي يتعرضون له بدا إن انتخاب البياتي ومن معه
هو الأقرب والأضمن، لكنهم لم يكونوا للحظةٍ تركمانيين، بل كانوا ضمن المكائن
الطائفية المتقابلة: السنية – الشيعية.

للبياتي تصريحات كثيرة، مرةً تكون مثيرة للجدل، ومرة تكون مثيرة للسخرية،
حتى إنه معروفٌ عنه خروجه اليومي من كافتيريا مجلس النواب ليخاطب الصحفيين
كأي بائع خضار في السوق: يللا منو يريد تصريح؟ وين الشرقية وين البغدادية
وين العراقية الخ..

لعب البياتي كثيراً على ورقة كركوك، حيث دعا حينها إلى جعلها إقليماً خاصاً،
وتشكيل هيئة رئاسية لحكمها، وبذلك خسر الكرد آنذاك، ثم طالب بتمثيل
التركمان في المجلس السياسي الوطني، باعتبارهم ثالث أكبر قومية بعد العرب
والكرد، وحينها ألجمَهُ المجلس الأعلى كي لا يفسد الشراكة الحكيمية – الكردية
التاريخية.

يحصل البياتي على دعمٍ جبار، حيث يفتح مكاتب مستمرة للاتحاد في لندن وطهران
وسوريا والمانيا وهولندا وغيرها، لكنه يفقد جمهوره باستمرار، خصوصاً بموقفه
المخجل من وجهة نظر التركمانيين إبّان ضرب قضاء تلعفر، حيث نشط من أجل
محاولة تهدئة الوضع بين التركمان وبين قوات الجيش.

يتملق البياتي بشكلٍ عجيب لرؤساء الوزراء، خصوصاً المالكي، بل هو دعا بشكلٍ
جاد لاستنساخ المالكي وخلاياه من خلال "العلم المتطور" وظل من المدافعين عن
الولاية الثالثة له، ولقاء ذلك كان الدعم المُقدم له شيئاً كبيرا من قبل صقور
دولة القانون والدعوة.

واستمر التملق، حين اراد مجلس النواب العمل بسياق دستوري لاستضافة رئيس
الوزراء الحالي حيدر العبادي قال إن "العبادي رمز الدولة، هي هيته يومياً
تقولون: تعالوا نستجوبه؟"، وعاد من جديد ليتملق المرجعية واقفاً ضد الحق
الدستوري للمواطنين إن "رئاسة الوزراء خط احمر، ومهما كانت التظاهرات،
لكننا نقف ونقول (كافي)، لأننا تحت سلطة المرجعية".

وردّ المتظاهرون حين اقتحموا الخضراء بشكلٍ جاد، حين حاصروه وتم ضربه قبل أن
يهرب بشكلٍ سريع من المكان الذي فيه.

يقول عباس البياتي في سيرته الذاتية التي كتبها إنه "لم يغب عن جلسات مجلس
النواب ومواظب على الحضور، ولم يجلس على كرسيه ساكتا بل كان يجاهر برأيه
دوما"، لكن هذه المجاهرة هي غالباً ما تكون تصريحات مضحكة من قبيل الدعوة
الى استنساخ المالكي المذكورة آنفا، أيام ما كان يمسح اكتاف "الحجي" كما
يلقبه، مؤكدا ان المالكي هو صاحب تجربة تثبت ان الشيعة هم اهلٌ للحكم،
وليسوا للطم.  بل برّر حتى لتوزيع السلاح على رؤساء العشائر من قبل المالكي
كدعاية انتخابية، مشيراً إلى أن هؤلاء الشيوخ يجب أن يتباهوا بإهداء السلاح لهم.

ورغم انه كان عضواً في لجنة العلاقات الخارجية، إلاّ أنه كان صنبوراً كبيراً
للتصريحات التي تخرّب العلاقات العراقية الإقليمية، عدا إيران بالتأكيد،
التي هي خط أحمر و"صاحبة الخبزة" بالنسبة له.

بكل الأحوال ينتمي عباس البياتي الى منظومة النواب الذين يثرمون الكلام بلا
نتيجة، آلاف التصريحات التي لم تعرّف الناس بمظلومية التركمان، أو الشيعة،
أو العراقيين بشكل عام، فمن يستحق الدفاع لدى البياتي هو رئيس الوزراء أياً
كان، ولا مكوّن له إلاّ حينما يقترب موعد الانتخابات ليلعب على الحبلين:
الطائفيّ والقومي، حتى يأتيه اليقين ويعود لمجلس النواب ورواتبه العظيمة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق