الجمعة، 23 مارس 2018

نيجرفان .. "دون جوان" سياسي

نيجرفان بارازاني

    نيجرفان .. "دون جوان" سياسي


 على عكس اغلب البارزانيين ، يحرص نيجرفان بارزاني على الزي الغربي، بدلاً
من الجلباب الكردي ، فكأنه يمارس السياسة ، بهندامه لا بأفعاله.
وعلى عكس اغلب البارزانيين القصار القامة، يبدو نيجرفان بارزاني فخورا
بقامته الممشوقة وهو يستعرض امام الكاميرات، هيئته "الطاووسية" ، اثناء
فعالياته السياسية والاجتماعية ، وفي حياته الخاصة.
وربما فعل الزعيم الكردي الشاب ،ذلك ، بدافع الشعور بالنقص من كاريزما
يفتقدها ، اذا ما قورن بالمكانة السياسية والعائلية التي يتمتع بها مسعود
بارزاني .
لكنه، وباعتباره حفيد مؤسس الحزب الديمقراطي الكردستاني مصطفى البارزاني،
يتحسس ، في نفسه مخاض ولادته كزعيم ، يعزّزها معنى معكوساً لعبارة "ان الفتى
من قال كان ابي" ، لاسيما وانه ابن الراحل إدريس بارزاني.
وبين أمجاد الحسب، ومآثر النسب ، يلمّع نيجرفان صورته كمناضل رافَقَ الآباء
والأجداد في ملاقاتهم الأهوال، وتحدّي الموت، ، وهو يقارع الانظمة السياسية
في بغداد، لاسيما في عهد الدكتاتور الراحل صدام حسين، فيذكّر الاعلام الكردي
على الدوام، بالثمن الباهظ الذي دفعه نيجرفان ، حين غيّب نظام صدام حسين
والده، وقرابة الثمانية آلاف شخصاً من أفراده عائلته العام 1983، ودُمّرت
قريتهم "بارزان" ست عشرة مرّة.
غير انه مثل كل ابناء عشيرته، يرى ان الله حباه بما لم يمنح غيره ، وهو
انتماءه الى هذه العائلة الكردية الشهيرة ، ذلك ان مجرد الانتماء اليها يعد
مفخرة وتميّزاَ ، بل وتمايزاّ ، من وجهة نظر القبليين الكرد ، يحسده عليها
الكثير .
يروي كردي ، ان نيجرفان يعرف قدره بين زعماء مخضرمين من ال بارزان ومن
غيرهم ، ساعيا الى تأكيد ذاته عبر أجندة خاصة ، وعامة متعددة ، لكنها
تقليدية ، خلت من
الانجاز المتميز ، والبصمة الخاصة ، ما جعله سياسياً عادياً يجتر سلوكياته ،
بحثاً عن نجومية لم تسعفه بأضوائها.
وإذ ترسم أدبيّات الحزب الديمقراطي الكردستاني، صورة مسعود بارزاني في هيئة
الرجل المخلّص، والبطل القومي ، يظهر نيجرفان مثل ظل تابع ، ينحسر خلف اشعاع
والد زوجته ، فتنتظم خيوط سيرته في نسيج عادي ، فهو مثل سيرة اغلب الزعماء
البارزانيين ولد في قرية بارزان ، العام 1966 ليهاجر الى إيران مع عائلته
العام 1975 بسبب سياسات نظام صدام القمعي.
وفيما درس العلوم السياسية في جامعة طهران، أصبح ناشطاً في صفوف الحركة
التحررية الكردية، ثم نال شرف عضوية المكتب السياسي للحزب الديمقراطي
الكردستاني في المؤتمر العاشر للحزب العام 1989 ، وتدرج في المناصب حتى عين
العام 1996 نائباَ لرئيس الوزراء في حكومة إقليم كردستان. و في آذار العام
2006 انتخب كأول رئيس وزراء في حكومة إقليم كردستان الموحدة.
ما يثير، ان كاتب سيرته الشخصية في موسوعة "ويكيبيديا" ، التي تسمح للشخص
بسرد سيرته وفق رؤيته أو رؤية اصدقائه أو اعدائه ، نسب الى نيجرفان انجازات
من مثل "تحت قيادته أصبحت حكومة الإقليم حكومة علمانية ديمقراطية تعددية".
وفي ذات الموسوعة ، نقرأ ما دوّنه كاتب من مديح مكشوف "الشعوب تُذكر بأفعال
قادتها وبمشاهيرها وشجعانها وأبطالها، وهذا هو بطلنا وقائدنا ، ينطبق عليه
المثل الذي يقول ان هذا الشبل من ذاك الاسد".
وفي عبارة ، تصنّعت المجد لنيجرفان ، ورد في الموسوعة أيضا ، أن الزعيم
الشاب "قاد حكومة تنمية واسعة النطاق تنفذ برامج وخدمات عامة من شأنها
تحسين حياة الشعب ،بالإضافة إلى تحرير النظم السياسية والاقتصادية للإقليم".
و نيجيرفان ، المتزوج من ابنة عمه مسعود ولديه ثلاث أطفال ، هم إدريس و
جيافان و رانيا ، بدى في حياته العائلية ، أباً مثالياً وعصرياً، فعلى رغم
حرصه على التكتم على الحياة الشخصية لأفراد العائلة التي تخضع لاعتبارات
عشائرية، الا انه ظهر على عكس عادة زعماء الكرد مع زوجته في المحافل
السياسية والاجتماعية عدة مرات ، مثلما اشتهرت له صورة مع زوجته وهما
يدليان بأصواتهما الانتخابية .
غير ان ذلك لم يمنع من ترشَح الاشاعات والحكايات التي تختلط فيها الحقائق
بالأوهام، في ظل تأكيدات خصوم على صحتها، ومناصرين على نفيها، باعتبارها
قصص "باطلة" من وحي الكراهية للزعيم الشاب.
لكن تصريحات الزعيم الوسيم لصحيفة "الشرق الاوسط" ، العام 2008 أثارت
الكثير من التكهنات والسخرية التي اظهرته مثل " دون جوان" عاطفي كردي ،
بعدما رسم له اتباعه صورة "المحبوب" السياسي .
ففي حواره مع الصحيفة ، قال نيجيرفان بأنه "يسمع ويتلقى عبارات غزل من نساء
مختلفات، عراقيات وعربيات وكورديات ، وغيرهن، ولكن بشكل غير مباشر".
وعلى رغم انها جرأة كبيرة ، الا ان مراقبين اعتبروها "فجاجة" ، من قبل زعيم
يقود شعباً محافظاً ، متديناً ، اضافة الى كونه اسير حياة مقفلة، لا تتحمل
الفضائح وتجاوز القيم والتقاليد.
الى ذاك ، يحرص انصار نيجرفان و"محبوه" على اظهار ثقافته و"موسوعية" أفكاره
بإبراز دراسته علوم السياسة لسنوات في طهران ، ونيله شهادة الدكتوراه من
أحد الجامعات الأمريكية، وحبه الجم للمطالعة ، والشعر الكردي والفارسي ،
مثلما حرص على نشر مقالات ومواضيع سياسية عديدة في الجرائد والمجلات
الكردستانية والأجنبية لاسيما في جريدة نيويورك "تايمز" الأمريكية ، يكتبها
له مستشارون ثقافيون وسياسيون، بعد أن يُملي عليهم أفكاره، لضيق وقته،
وازدحام جدوله، ناهيك عن كونه هاوِ للرياضة ومُمارسها مثل ركوب الخيل ، وكرة
المضرب، ومتّقن الكردية والفارسية العربية والإنكليزية ، لتكتمل صورة الزعيم
الكردي "المثالي"، المستوف لشروط الزعامة، والمُمسِك بالزِّمام.
على ان الكاتب هوشنك بروكا يعلّق ، في مقال له منشور على النت ، على ظاهرة
الزعيم بالقول انه " لأمر جميلٌ أن يكسر نيجرفان الصورة النمطية الواحدية
للسياسي، كردياً، والتي سُبغت بهالة من القداسة والمثالية المفرطة، لفتح
الطريق أما صورة أكثر واقعيةً، أقرب إلى الحقيقة، عصرية، جديدة، لسياسي جديد
يمشي على الأرض، بدلاً من الصعود الزائف إلى سماءٍ زائفة" .
و نيجرفان ، الى جانب بعض افراد العائلة البارزانية ، لاحقته الحكايات
المزعومة والحقيقية عن الغنى الفاحش كإحدى الوسائل التي تسعى الى سبْر غور
شخصّية الرجل الذي يحرص أشد الحرص على صورة الكردي المتزمّت في التمسك بعادات
وتقاليد شعبه وأسرته، لاسيما تقاليدها العشائرية والاجتماعية التي صاغتها
اصوله القروية، ما يعكس التمسك بالإرث الأسري التاريخي لعائلة أريد لها ان
تمثّل "اسوة" سياسية وقبلية لقطاع واسع من الكرد.
ولعل المزاعم والقصص ادركت حساسية ذلك بالنسبة لآل لبارزان فشرعت في سرد
ترف عائلته، الذي يُقارن بين ثراء فاحش للطبقة الحاكمة الكردية، وبين الفقر
الذي تعاني منه نسبة من ابناء الشعب الكردي.
وابرز الحكايات في هذا الصدد، ما نشره موقع "هاولاتي" باللغة الكردية ، عن
شراء نيجرفان قصراً بعشرات الملايين من الدولارت في الولايات المتحدة ، في
ظل غياب الشفافية في تقصي اخبار ثروات النخب الكردية الحاكمة.
ولم يكن نيجرفان بمنأى عن الفضيحة التي لحقت بعمه ، مسعود العام 2008 عن
امتلاكه لـنحو 2 مليار دولار بحسب الباحث الامريكي بروفيسور مايكل روبين
الذي درس في جامعة السليمانية قبل اجتياح العراق ، ثم عمل مستشارا كبيرا
لبريمر.
غير ان العام 2013، شهد حادثة ذات اهمية بالنسبة لنيجرفان وتتعلق بابنة عمه
مسعود حيث اختلطت الفضيحة الشخصية، بوضع الديمقراطية في الإقليم، بعدما عُثِر
على جثة الصحافي سردشت عثمان، في ضواحي مدينة الموصل ، كتب مقالاً يتحدث عن
"عشقه" لابنة مسعود بارزاني.
فعلى رغم ان الموضوع يتعلق بصحافي، يسعى الى حرية التعبير عن الرأي، إلا ان
كتابته مقالاً تناول فيه ابنة بارزاني ، جعل للقصة أبعاداً شخصية وعشائرية.
وإذ كتب عثمان (23 عاماً) مقالات انتقد فيها المحسوبية والفساد الإداري بين
المسؤولين الحكوميين، الا ان كتابته مقالاً، "أنا أعشق بنت مسعود بارزاني"،
جعلته متجاوزاً لخطوط السياسة واللياقة الحمراء المعتمدة في كردستان.
والمقال يروي صورة ساخرة لحلم راود الكاتب في الزواج من ابنة رئيس الإقليم
ليتحول من رجل فقير الى مترف.
وكتب عثمان "عندما أصبح صهراً للبارزاني سيكون شهر عسلنا في باريس، ونزور
قصر عمّنا لبضعة أيام في أمريكا. سأنقل بيتي من حينا الفقير في مدينة اربيل
الى مصيف سري رش، حيث تحرسني ليلاً كلاب أمريكا البوليسية وحراس إسرائيليون".
لكن زمن الحكم والسلطة غير زمن "النضال"، وهو ما ينطبق على الكثير من
البارزانيين ، وكان ضريبة "بحبوحة" السلطة وترفها، الكثير من الحكايات
والقصص، التي مهما اختُلِف على مصداقيتها، الا انها تكشف عن جانب من الحياة
الاخرى التي يعيشها الزعيم حين يجلس على كرسي الحكم لتطال الاشاعات
والحقائق، ليس الجوانب الشخصية في حياة اسرة بارزاني، بل طريقته في الحكم
وأسلوبه السياسي.
فقد اتّهم بارزاني وحزبه بتهريب النفط في كردستان العام 2010، وفق ما نشرته
صحيفة "روزنامة" الاسبوعية ليطالبها الحزب، بتعويض مليار دولار لتناولها
القضية. وتجددّت قصص تهريب النفط حتى اعتبر نيجرفان في تصريح لقناة
"العربية" الشهر الماضي، أن كردستان تبيع النفط لكنها لا تهربه بل تصدره.
لكن اليوم، ليس الامس..
فثمة استقرار نسبي يخيّم على كردستان، وتفاهم يصفه البعض ب"الحذر"، يطبع
العلاقة بين القطبين الكرديين الرئيسين، مثلما العلاقات البينية بين افراد
العائلة البارزانية نفسها ، في ظل مرحلة انتقالية ، التهديد الرئيسي فيها
اليوم ، بحسب أكراد ، هو الهيمنة والفساد ونفوذ بطانة وأفراد أسرتي برزاني
وطبقة سياسية مترفة ، قبل كل شيء.
وإذا كان نيجرفان ، يسوّق نفسه زعيماً ديمقراطياً عصرياً ، فهل سيساهم في تحويل
النظام العشائري الحاكم الى نظام ديمقراطي حقيقي يتجاوز العشائرية
والمحسوبية ومحاباة للأقارب؟ ..
يجيب على ذلك، براين غيبسون، الكاتب والباحث في العلاقات بين الولايات
المتحدة الأمريكية وإيران، بالقول انه "من الصعب الجزم بذلك ".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق