![]() |
| علي الشلاه |
علي الشلاه.. الزيتوني تحت البذلة السويسرية
من منصة الشعر، حتى منصة البرلمان، ومن دراسات نقديّة عن نصوصه الشعريّة، حتى
تصاريح نوّاب تشتمه، وتنتقده بأكثر الألفاظ حدّة، يتحوّل علي الشلاه من
البلاغة الشِعرية، حتّى أقلّ المناكفات السياسيّة قدراً، في تحوّلات تضمّها شخصيّته
التي تملكُ من الحِدّية الشيء الكثير، والمراوغة في أحايين عديدة.
ولد علي الشلاه في المدينة المتكوّرة على شطّها، الحلّة، عام 1965، من أسرة
معروفة، حيث كتب عن والده في موقعه الشخصيّ على شبكة الإنترنيت بأنه كان
"أحد ثقاة الصدر الأول"، ويعني مؤسس حزب الدعوة السيد محمّد باقر الصدر.
لكنّ الحلة، الصغيرة والبعيدة عن المركز كانت لا تلبّي طموح الشلاه، ولأنّ جيل
مواليد الستينيات العراقيّ كان أكثر الأجيال تعرّضاً لأن يكون حطباً في الحرب
العراقيّة الإيرانيّة، ترك الشلاه الحلة وأهلها وقدم إلى بغداد بداية
ثمانينيات القرن الماضي، واستمرّ بدراسته الأكاديمية ببغداد، لينال
بكالوريوس في قسم الآداب بجامعة بغداد، وبتخصّص اللغة العربيّة.
لم يمض كثير من الوقت، حتى صار الشلاه جزءاً من موجةٍ شعريّة حملت – فيما بعد
– عنوان "جيل الثمانينيات"، وبشكلٍ عام: انقسم هذا الجيل بين التعبويّة للحرب
وصدّام، أو الكتابة بشكلٍ رمزيّ مغلق هرباً من النظام وجواسيسه، ولم يكن الشلاه
من الجماعة الأولى أو الجماعة الثانية، فقد كان وجوده هامشياً، إداريّاً أكثر
منه نصيّاً، فأول مجموعة شعرية نشرها كانت بعد عامين من انقضاء عقد الثمانينيات.
يجيد الشلاه لعب دور الرجل الثاني الذي يقف في الخلف وليس في الامام، وهذا
ما يفعله اليوم في المؤتمرات الصحفية كما كان يسير خلف لؤي حقي بحسب ما
يروي مجايلوه، حيث كان الشلاه أقربهم له حين كان الأول رئيساً ومسؤولاً عن
"منتدى الأدباء الشباب"، كان ظلاً له، ملازماً إيّاه أينما ذهب، وقال بعضهم إنّ
الشلاه كان أشبه بسائقه الشخصيّ، أو سكرتيره.
حُبس لؤي حقّي، اغتنم الشلاه الفرصة، فأعلن نفسه مديراً للمنتدى، وليس هذا
فحسب، بل أنّه وضع اسمه رئيساً لتحرير مجلّة أسفار، وحذف اسم لؤي منها، لأنّه
ظنّ بأنّ لؤي حقّي دخل طوامير السجون، وصار من "المغضوب عليهم" ولن يعرف طريق
الخروج.
ومن سوء حظّ الشلاه أنّ لؤي خرج من السجن، فتوجّه الأخير إلى المنتدى الذي كان
في منطقة راغبة خاتون الراقية ببغداد، وأمسك بعلي الشلاه، وضربه ضرباً شديداً
حتى أدماه، وكسر سنّاً من أسنانه الأماميّة، واختلفت الروايات بتفاصيل الأمر:
كارهو الشلاه يقولون إنّ لؤي حقي ضربه بحذائه، وأنّ الندبة في جبهة الشلاه –
حتى يومنا هذا – بسبب هذه الضربة، أمّا أصدقاؤه فيقولون إنّ لؤي حقّي حطّم
الكرسيّ برأس الشلاه، بينما يقول هو في حوار تلفزيوني إنّ لؤي ضربه بإخمص
المسدّس، وأنّ الندبة هي وحمة منذ الولادة، لكنّ أصدقاءه لم يذكروا انهم
شاهدوها قبل الحادثة مع حقي.
بعد هذا، لم يعد العراق آمنا لعلي الشلاه، الذي لم يكن بعثياً كبيراً، كان
يحمل درجة "نصير"، وهي درجة ثانية تنفع في قبولات الجامعة أو تمشية الأمور
العامة، فغادرَ إلى عمّان عام 1991، بعد الانتفاضة الشعبانية ضدّ النظام، وحين
وصل العاصمة الأردنية: بدأتْ مرحلةٌ جديدة من حياة الرجل، فمن ظلٍ للؤي حقّي،
صار ظلاً أيضاً لشخصيّة لا تقلّ عن الأولى خطورةً وشبكة علاقات، كانت قاعدته
الجديدة الشاعر عبد الوهاب البياتي.
والبياتي، كان شخصيةً ذات نفوذ، لكنها مقتصرة التأثير على عالم الأدب
والأوساط الثقافيّة، كان يصنعُ من الفردِ شاعراً مميزاً، أو كان يجعلُ الشاعر
المميز أضحوكةً في حال عدم رضاه، وكلّ هذا بسبب شبكة علاقاته المرتبطة
بناشرين، ونقّاد، وسياسيين، وما سواهم.
تلقّفه البياتي، وعاش علي الشلاه في غاليري الفينيق وأداره، والذي كان ملتقى
للفنانين والأدباء العراقيين، كان المكان غامض الملامح، يزوره أدباء بعثيون
ومعارضون بذات الوقت، شعراء فلسطينيون وسعوديون أيضاً، ولم يكن المكانُ بعيداً
عن المخابرات الأردنية، كما كلّ شبر في هذه البلاد.
في ذلك الوقت، بدأ علي الشلاه بالعمل على جانبين أهملهما في العراق: الجانب
الأكاديميّ، والشعري، فنال شهادة الماجستير عن أطروحته "كربلاء في الشعر
العربيّ الحديث" من جامعة اليرموك، ثمّ طبع دواوينه الشعريّة "ليت المعري كان
أعمى، التوقيعات، شرائع معلقة، العباءات والأضرحة، كتاب الشين".
بعد أن هدر الكثير من الوقت في عمان، يبدو أنّ الشلاه استثمر تواجده في
سويسرا، بلد الساعات الدقيقة، التي وجد طريقه لها حتى كاد أن يكون الشاعر
العراقيّ الوحيد المقيم هناك، حيث دارت أحاديثُ عديدة عن زواجه بامرأةٍ
سويسريّة فور وصوله، وبعد ذلك استمرّ بدراسته فنال شهادة الدكتوراه من جامعة
بيرن عن "القصيدة النسوية العربية الحديثة"، وأسس أسوةً بغاليري الفينيق
"المركز الثقافي العربي السويسري".
ويبدو أيضاً أنّ الشلاه أصابته حمّى كلمة "مدير"، وكأن شخصيّة لؤي حقي، الذي
أدار أكثر من 20 مؤسسة وتجمعاً في العراق، أثرتْ به لدرجة كبيرة، فعاد الشلاه
وأسّس غاليري الأرض، ثمّ مؤسسة بلاد النهرين الثقافية، ودار بابل للثقافات في
الحلة، فضلاً عن "منشورات بابل"، وصحيفة "بابل الجديدة" الألكترونية، وليس
انتهاءً بمهرجان المتنبي العالميّ السنويّ، الذي يشترك فيه أدباء من جميع
أنحاء العالم، والمستمر منذ 13 عاماً.
عاد إلى بغداد عام 2003، حاول بدايةً أن يعيد نشاطه الثقافيّ المحلّي، لكن
الثقافة على مرّ تاريخ العراق، لم تطعم مثقفيها من جوع، ولم تمنع عنهم خوفاً
ما، فقضى السنوات بين (2003-2009) مستقراً بسويسرا، لكنه عاد ليتسنم منصب
عضو في هيئة أمناء شبكة الإعلام العراقيّ، بمرتبٍ جيّد، وشقةٍ سكن فيها، وعمل
لا يكاد يُذكر، وحين جاء عام 2010، دخل الانتخابات التشريعية مع ائتلاف دولة
القانون، واستثمر سمعة أسرته في محافظة بابل ومدينة الحلّة، وصار نائباً عن
المحافظة، وبالمركز الثالث عنها.
تدرّج الشلاه، صار رئيساً للجنة الثقافة والإعلام في مجلس النوّاب، والمصدّ
لهجمات الكتل الأخرى، وبشكلٍ عام، لم يفعل الشلاه شيئاً للواقع الثقافيّ الذي
دائماً ما استمر بالنكوص إلى الوراء سوى تصريحات صحفية عن النشيد الوطنيّ،
وتصميم العلم العراقي الجديد، بينما بقيت وزارة الثقافة، ودار الشؤون
الثقافية، واتحاد الأدباء والكتاب، فضلاً عن دائرة السينما والمسرح،
والمؤسسات الثقافية الأخرى بعيدة عنه وعن لجنته المشلولة.
يوقع الشلاه نفسه في مواقف بالغة الحرج ويدخل مواجهات يخرج منها خاسرا اغلب
الأحيان، ففي لقاء تلفزيوني، اثار غضب المتابعين والمدونين فيما بعد، تحدث
الشلاه عن عبث ابنه بهاتف والدته (العراقية وليست السويسرية) الامر الذي
جعل فاتورة الهاتف ترتفع الى 4 ملايين دينار عراقي !
كاتب عراقي، ينتقد سلوكية الشلاه الدعائية، مشيراً في حديثه الى انه لمح
"فيلاً" يطير بين ثنايا كلام النائب عن فاتورة الهاتف، و"الفيل" في العامّية
العراقية تعبير عن التضخيم والتهويل . وفي عملية حسابية بسيطة، اكتشف
الكاتب، ان هكذا مبلغ يحتاج ممن يريد ان ينفقه أن "يلعب" بالهاتف 24 ساعة
ولا يتأتّى ذلك أيضا الاّ لمن أحترف تقنيات رقمية في التحميل والتنزيل، وأدمن
العلاقات والاتصالات. فهل يعقل ان طفلاً بعمر اربع سنوات يستخدم التلفون
والنت بطريقة احترافية تحتاج منه وقتا طويلا ، تجعله لا ينام في الليل
مثلما النهار!.
ولم تهدأ هذه الموجة التي اغتنمها أعداء الشلاه إلاّ بظهور أزمة أخرى، وهي
صورة قديمة للشلاه وهو يرتدي الزيّ العسكري الزيتوني بأحد مهرجانات بغداد
الشعريّة، رغم أن الوسط الأدبيّ بالأقل يعرفُ أنّ الشلاه كان يرتديه بشكلٍ دائم
بسنوات الثمانينيات، ويذهب بعضهم إلى القول إلى أبعد من هذا، فيقولون: كان
يرتدي الزيتوني حتى عام مغادرته العراق.
لكن كاتباً آخر يرجع ارتداء الشلاه لـ"الزيتوني" الى انه كان صحافياً في
دائرة التوجيه السياسي حين التحق أولا بـ"قسم التصحيح" لينتقل بعد ذلك الى
"القسم الثقافي" في الدائرة، حيث كانت الدائرة يومها "مخبئاً" للصحفيين
الهاربين من جبهات القتال، فكان لابد أن يحافظوا على وجودهم فيها بالمداومة
على لبس البدلة العسكرية "الزيتوني".
وتهدأ الموجة الثانية، لكنَّ مصوراً مشاكساً من القنوات الفضائية في مجلس
النواب، ينقلُ من كواليس المجلس، يكشف أسرار الملاسنة الشهيرة بين الشلاه و
رئيس كتلة الأحرار النيابية بهاء الأعرجي، حين هاجم الأخير الشلاه فظلت
جملة "اطلعْ بره أدبسز" التي ختم بها الاعرجي صراخه بوجه الشلاه، عالقة في
اذهان الجمهور، حين لم يحسب الأعرجيّ بهاء فيها لابن عمّه علي فاضل الشلاه
الأعرجي، حساباً ، او تقديراً.
يحبّ الشلاه أن يفتخرَ دوماً بتاريخه، الذي يراهُ أبيضَ تماماً، بينما يراهُ
أصدقاؤه رمادياً، أمّا أعداؤه: فلا يرون منه سوى السواد، وحملت رسالته
للماجستير، التي طبعها بـ"منشورات بابل" التي يديرها، ملحقاً بالوثائق التي
تثبت أنه كان مُطارداً من قبل جهاز المخابرات العراقية، لكنه ربما نسي – حين
وضع الوثائق – أنّ تاريخ إصدارها هو 7/4/1995، وهو "عيد تأسيس حزب البعث
العربي الاشتراكي"، وليس هذا فحسب: بل كان اليوم المذكور يصادف يوم
"الجمعة"، ولا تنتهي الثغرات عند هذا، فالكتاب دون عنوان، ودون جهة إرسال!،
وبخطّ اليد.
تاريخٌ متداخلٌ ببعضه، ابن الحلّة القادم إلى العاصمة، الشاعرُ الذي يقبل أن
يكون ظلاً لشاعرٍ آخر ، المعارض الذي يحتفظُ بصداقاته مع البعثيين، اللاجئ
الحاصل على الدكتوراه، ومدير فعاليات ثقافية كبيرة دون تمويل واضح، ثمّ
النائب الذي توجّه له الإهانة ولا يردّها، تاريخٌ مثل هذا يشتركُ أيضاً مع تاريخ
العراق المستمرّ بإرباك الآخرين، لكن في كلّ الأحوال: لا نعرفُ إن كانت هذه
سيرة شاعر كسبته السياسة، أم سياسيّ لم يفلح بالشعر؟ سؤال نترك إجابته لكم..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق